تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
لتعاميهم عن الآيات الدالة على توحيده ، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها . ولتصامّهم عن الحق واتباع الهدى . وقوله تعالى :
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
أبلغ من ( وكانوا صمّا ) لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به . وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع . أفاده الزمخشريّ . وفي توصيفهم بالجملتين نكتة أخرى ، بها تعلم أنه لا يستغنى بالثانية عن الأولى ، كما زعم ، وذلك - كما حققه الشهاب - إن قوله تعالى :
لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
لما أفاد أنهم كفاقدي حاسة السمع ، ومن هو كذلك إنما يعرف الذكر بإشارة أو كتابة أو نحوهما ، مما يدرك بالنظر ، وذكر أن أعينهم محجوبة عن النظر فيما يدل عليه أيضا . فهم لا سبيل لهم إلى معرفة ذكره أصلا . وهذا من البلاغة بمكان . قال أبو السعود : والموصول يعني ( الذين ) نعت للكافرين ، أو بدل أو بيان جيء به لذمهم بما في حيز الصلة ، وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم . فإن ذلك إنما هو لعدم استعمال مشاعرهم فيما عرض لهم في الدنيا من الآيات ، وإعراضهم عنها ، مع كونها أسبابا منجية عما ابتلوا به في الآخرة .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 102 ]

أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ( 102 )
أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ
هذا رجوع إلى طليعة السورة في قوله تعالى :
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
[ الكهف : 4 ] ، فهو من باب رد العجز على الصدر المقرر في البديع ، جيء بالاستفهام الإنكاريّ ، إنكارا لما وقع منهم وتوبيخا لهم . ومفعول ( حسب ) الثاني محذوف . أي أفحسبوا اتخاذهم نافعا لهم ؟
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
[ مريم : 82 ] ، كما قالوا
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ
[ سبأ : 41 ] ،
إِنَّا أَعْتَدْنا
أي هيأنا
جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا
أي شيئا يتمتعون به عند ورودهم . و ( النزل ) ما يقام للنزيل أي الضعيف . وفيه استعارة تهكمية . إذ جعل ما يعذبون به في جهنم كالزقوم والغسلين ، ضيافة لهم . وقال أبو السعود : وفيه تخطئة لهم في حسبانهم ، وتهكم بهم . حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء ، من قبيل إعتاد العتاد ، وإعداد الزاد ، ليوم المعاد . فكأنه قيل : إنا اعتدنا لهم ، مكان ما أعدوا لأنفسهم ، من العدة والذخر ، جهنم عدة . وفي إيراد ( النزل ) إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له . أي لأن الضيف لا