تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
التنبيه الخامس - حكي في قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
قولان في أن السائلين هم اليهود أو غيرهم . ورجّح الأول من وجهين : أولهما - أن للإسكندر عند اليهود شأنا وقدرا . وذلك لما حكي أنه لما فتح غزة ودنا من بيت المقدس ، خرج إليه رئيس أحبارها وقدم إليه الطاعة . فدخلها إسكندر وسمع نبوة التوراة فسرّ وأحسن إلى اليهود . وتعقب بعض المؤرخين هذه الرواية بأنها غير مأثورة في كتب اليونان ، ولم يروها أحد من مؤرخيهم . ثانيهما - أن عنوان ( ذو القرنين ) من رموز الإسرائيليين كما قدمناه عنهم . التنبيه السادس - قالوا : المراد ب ( العين الحمئة ) البحر المحيط . وتسميته عينا لكونه بالنسبة لعظم قدرته تعالى ، كقطرة . وإن عظم عندنا . قالوا : رأى الشمس في منظره تغرب في البحر . وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله ، يراها كأنها تغرب فيه . وهي لا تفارق فلكها . وللإمام ابن حزم عليه الرحمة - رأي آخر في الآية . ذكره في كتاب ( الملل ) في بحث كروية الأرض قال : ذو القرنين هو كان في العين الحمئة الحامية كما تقول ( رأيتك في البحر ) تريد أنك إذا رأيته كنت أنت في البحر . وبرهان هذا أن مغرب الشمس لا يجهل مقدار عظيم مساحته إلا جاهل . ومقدار ما بين أول مغربها الشتويّ إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفيّ إذا كانت من رأس السرطان - مرئيّ مشاهد . ومقداره ثمان وأربعون درجة من الفلك . وهو يوازي من الأرض كلها بالبرهان الهندسيّ أقل من مقدار السدس . يكون من الأميال نحو ثلاثة آلاف ميل ونيّف . وهذه المساحة لا يقع عليها في اللغة اسم ( عين ) البتة . لا سيما أن تكون ( عينا حمئة ) حامية . وباللغة العربية خوطبنا . فلما تيقنا أنها ( عين ) بإخبار اللّه عز وجل ، الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، علمنا يقينا أن ذا القرنين انتهى به السير في الجهة التي مشى فيها من المغارب إلى العين المذكورة . وانقطع له إمكان المشي بعدها لاعتراض البحار له هنالك . وقد علمنا بالضرورة أن ذا القرنين وغيره من الناس ، ليس يشغل من الأرض إلا مقدار مساحة جسمه فقط . قائما ، أو قاعدا أو مضطجعا . ومن هذه صفته ، فلا يجوز أن يحيط بصره من الأرض ، بمقدار مكان المغارب كلها ، لو كان مغيبها في عين من الأرض . كما يظن أهل الجهل . ولا بد من أن يلقى خطّ بصره من حدبة الأرض ، ومن نشر من أنشازها ، ما يمنع الخط من التمادي ، إلا أن يقول قائل : إن تلك العين هي البحر فلا يجوز أن
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 73 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود