تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أحمد بن الطيّب السرخسيّ وغيره . وقد ذكره قدامة بن جعفر والناس . فهيهات خبر من خبر . وحتى لو خفي مكان يأجوج ومأجوج والسد ، فلم يعرف في شيء من المعمور مكانه ، لما ضر ذلك خبرنا شيئا . لأنه كان يكون مكانه حينئذ خلف خط الاستواء حيث يكون ميل الشمس ورجوعها ، وبعدها كما هو في الجهة الشمالية . بحيث تكون الآفاق كبعض آفاقنا المسكونة ، والهواء كهواء بعض البلاد التي يوجد فيها النبات والتناسل . واعلموا أن كل ما كان في عنصر الإمكان ، فأدخله مدخل في عنصر الامتناع بلا برهان - فهو كاذب مبطل جاهل ، أو مجاهل . لا سيما إذا أخبر به من قد قام البرهان على صدق خبره . وإنما الشأن في المحال الممتنع الذي تكذبه الحواس والعيان أو بديهة العقل . فمن جاء بهذا فإنما جاء ببرهان قاطع على أنه كذاب مفتر . ونعوذ باللّه من البلاء . انتهى كلام ابن حزم . قال بعض المحققين : اعلم أنه كثيرا ما يحدث في الثورات البركانية أن تنخسف بعض البلاد أو ترتفع بعض الأراضي حتى تصير كالجبال . وهذا أمر مشاهد حتى في زمننا هذا . فإذا سلم أن سدّ ذي القرنين المذكور في هذه الآية غير موجود الآن ، فربما كان ذلك ناشئا من ثورة بركانية خسفت به وأزالت آثاره . ولا يوجد في القرآن ما يدل على بقائه إلى يوم القيامة . أما قوله تعالى :
هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ
فمعناه أن هذا السد رحمة من اللّه بالأمم القريبة منه . لمنع غارات يأجوج ومأجوج عنهم ، ولكن يجب عليهم أن يفهموا أن مع متانته وصلابته لا يمكن أن يقاوم مشيئة اللّه القويّ القدير ، فإن بقاءه إنما هو بفضل اللّه . ولكن إذا قامت القيامة وأراد اللّه فناء هذا العالم ، فلا هذا السدّ ولا غيره من الجبال الراسيات يمكنها أن تقف عثرة ، لحظة واحدة أمام قدرة اللّه . بل يدكها جمعاء دكّا في لمح البصر . فمراد ذي القرنين بهذا القول تنبيه تلك الأمم على عدم الاغترار بمناعة هذا السد ، أو الإعجاب والغرور بقوتهم . فإنها لا شيء يذكر بجانب قوة اللّه . فلا يصح أن يستنتج من ذلك أن هذا السدّ يبقى إلى يوم القيامة ، بل صريحه أنه إذا قامت القيامة في أي وقت كان ، وكان هذا السدّ موجودا ، دكه اللّه دكا . وأما إذا تأخرت فيجوز أن يدك قبلها بأسباب أخرى . كالزلازل إذا قدم عهده . وكالثورات البركانية كما قلنا . وليس في الآية ما ينافي ذلك . وأما قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
فالمراد منه خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض ، كما يخرج الشيء المحبوس أو المضغوط إذا انفجر . واستعمال لفظ ( الفتح ) مجازا شائع في اللغة . ومنه قولك ( فتحوا البلاد ) وقوله تعالى
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 44 ] ، فليس
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 75 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود