تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فيليس ، وقال ابن القيم في ( إغاثة اللهفان ) في الكلام على الفلاسفة : ومن ملوكهم الإسكندر المقدونيّ وهو ابن فيليس وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص اللّه تعالى نبأه في القرآن بل بينهما قرون كثيرة وبينههما في الدين أعظم تباين . فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا للّه تعالى يؤمن باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وكان يغزو عبّاد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها . وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج . وأما هذا المقدونيّ ، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته . وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة . والنصارى تؤرخ له . وكان أرسطاطاليس وزيره . وكان مشركا يعبد الأصنام . انتهى . كلامه . وفيه نظر . فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية بتسعمائة وأربع وخمسين سنة قبل الهجرة ، وثلاثمائة واثنين وثلاثين سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام . وقد أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا . وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام ، فغير مسلم ، وإن كان قومه وثنيين ، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس . وقد جاء في ترجمته - كما في طبقات الأطباء وغيرها - أنه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر وأريد السعاية به إلى الملك . فلما أحس بذلك شخص عن أثينا . لأنه كره أن يبتلى أهلها بمثل ما ابتلوا به سقراطيس معلم أفلاطون . فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم . وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام . وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها . فثوّروا عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله . فأودعه السجن ليكفهم عنه . ثم لم يرض المشركون إلا بقتله . فسقاه السم خوفا من شرهم ، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم . كما في ( طبقات الأطباء وتراجم الفلاسفة ) فالوثنية ، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم ، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه . كالنجاشيّ ملك الحبشة . فإنه جاهر بالإيمان بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى . وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله . فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد . قال القاضي صاعد : كان فيثاغورس - أستاذ سقراط - بقول ببقاء النفس وكونها ، فيما بعد ، في ثواب أو عقاب . على رأي الحكماء الإلهيين . فتأمل قوله ( على رأي الحكماء الإلهيين ) يتحقق ما ذكرناه . وأما قول الفخر الرازيّ : ( إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويّا . وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه ، فتعظيم اللّه إياه يوجب الحكم