تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
بأن مذهب أرسطاطاليس حقّ وصدق . وذلك مما لا سبيل إليه ) فلا يخفى دفع هذا اللزوم . فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله ، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه . إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه . وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلدا . أفلا يمكن أن يكون حرّا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق . ومن آتاه اللّه من الملك ما آتاه ، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه . هذا على فرض أن متبوعه مذموم . وقد عرفت أن متبوعه ( أعني أرسطاطاليس ) ، كان موحدا . وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه . على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات ، وكفى بها كمالا . وللرازيّ فرض يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم ، وهذه منها . وإن صبغها - سامحه اللّه - في هذا الأسلوب . عرف ذلك من عرف . التنبيه الثالث : اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين . فقيل لأنه طاف قرني الدنيا . يعني جانبيها شرقها وغربها . أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان . أو لأنه ملك الروم وفارس . قال الزمخشريّ : ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته ، كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه . أقول : هذا اللقب من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان . لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها . والكناية بالقرن عن القوة والسلطان معروفة عند اليهود ، الذين هم السائلون . وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال عليه السلام قوله عن الملك : ( فإذا أنا بكبش واقف عند النهر . وله قرنان ) ثم قوله : ( وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها . وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه ) قالوا : القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان . والتيس رمز إلى مملكة اليونان . وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير . وما أشار إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة . قوله : ( خرج من المغرب ) إشارة إلى خروجه من مكدونية ، التي هي إلى غرب فارس ، وذلك حين تقدم على جيوش داريوس وكسره . وتعقبه إلى داخل مملكته . والقصد أن هذا اللقب ( ذو القرنين ) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة . كما زعمه بعضهم . بل هو معروف عند العبرانيين أيضا . وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي سرت إلى العرب . وأقرتهم عليها .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 71 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود