تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وذلك أن الإنسان إنما يكون بالأولى إنسانا ، وترقيه إلى العالم العلويّ ، وتوجهه إلى الجناب الإلهي وتحصيله للمعارف والكمالات ، واكتسابه للخيرات والسعادات - إنما يكون بها . فإذا فسدت بغلبة الشيطنة عليها ، واحتجبت عن النور باستيلاء الظلمة ، حصلت الشقاوة العظمى ، وحقت العقوبة بالنار . وهو الرين والحجاب الكلي . ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الإلهية ، من السبعية والبهيمية ؟ وأبعد بما لا يقدر قدره ، فالإنسان برسوخ رذيلته النطفية يصير شيطانا ، وبرسوخ الرذيلتين الأخريين ، يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع ، وكل حيوان أرجى صلاحا ، وأقرب فلاحا من الشيطان . ولهذا قال تعالى :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ الشعراء : 221 - 222 ] ، ونهى ها هنا عن اتباع خطوات الشيطان . فإن ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته ومطاوعته ، وصاحبه يكون من جنوده وأتباعه ، . فيكون أخس منه وأذل ، محروما من فضل اللّه الذي هو نور هدايته ، محجوبا من رحمته التي هي إفاضة كمال وسعادة ، ملعونا في الدنيا والآخرة ، ممقوتا من اللّه والملائكة . تشهد عليه جوارحه بتبدّل صورها وتشوّه منظرها . خبيث الذات والنفس . متورطا في الرجس . فإن مثل هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين . كما قال تعالى :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
وأما الطيبون المنزهون عن الرذائل ، فإنما تصدر عنهم الطيبات والفضائل . انتهى . السابع - في سر قرن الزنى بالشرك في قوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
[ النور : 3 ] ، وتحقيق القول في الآية . قال الإمام ابن القيم رحمه اللّه في ( إغاثة اللهفان ) : نجاسة الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات . من جهة أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدّا . ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة ، أكثرهم شركا . فكلما كان الشرك في العبد أغلب . كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر ، وكلما كان أعظم إخلاصا ، كان منها أبعد ، كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
[ يوسف : 24 ] ، فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبّد لها . بل هو من أعلى أنواع التعبّد . ولا سيما إذ استولى على القلب وتمكن منه ، صار تتيّما . والتتيّم التعبد . فيصير العاشق عابدا لمعشوقه . وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه والسعي في مرضاته وإيثار محابّه ، على حب اللّه وذكره والسعي في مرضاته ، بل كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية ويصير متعلقا بمعشوقة من الصور . كما هو مشاهد فيصير المعشوق هو إلهه من دون اللّه عزّ وجلّ . يقدم رضاه وحبه على رضا اللّه وحبه . ويتقرب إليه ما