تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
لا يتقرب إلى اللّه . وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة اللّه . ويتجنب سخطه ما لا يتجنب من سخط اللّه تعالى . فيصير آثر عنده من ربه حبّا وخضوعا وذلّا وسمعا وطاعة ، ولهذا كان العشق والشرك متلازمين ، وإنما حكى اللّه سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط ، وعن امرأة العزيز ، وكانت إذ ذاك مشركة ، فكلما قوي شرك العبد بلي بعشق الصور وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه . والزنى واللواطة كمال لذته ، إما يكون من العشق . ولا يخلو صاحبهما منه . وإنما لتنقله من محل إلى محل ، لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد . بل ينقسم على سهام كثيرة لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده . فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين . ولهما خاصية في تبعيد القلب من اللّه ، فإنهما من أعظم الخبائث فإذا الصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب . وكلما ازداد خبثا ازداد من اللّه بعدا . ولهذا قال المسيح ، فيما رواه الإمام أحمد في ( كتاب الزهد ) لا يكون البطالون من الحكماء . ولا يلج الزناة ملكوت السماء . ولما كانت هذه حال الزنى كان قريبا للشرك في كتاب اللّه تعالى . قال اللّه تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ النور : 3 ] . والصواب القول بأن هذه الآية محكمة . يعمل بها لم ينسخها شيء . وهي مشتملة على خبر وتحريم . ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة . والذي أشكل منها على كثير من الناس ، واضح بحمد اللّه تعالى . فإنهم أشكل عليهم قوله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
[ النور : 3 ] ، هل هو خبر أو نهي أو إباحة ؟ فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة . وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة ، فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات العفائف . وإباحة له نكاح المشركات والزواني ، واللّه سبحانه لم يرد ذلك قطعا . فلما أشكل عليهم ذلك . طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه . فقال بعضهم : المراد من النكاح الوطء والزنى . فكأنه قال : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة . وهذا فاسد . فإنه لا فائدة فيه . ويصان كلام اللّه تعالى عن حمله على مثل ذلك . فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية . فأي فائدة في الإخبار بذلك . ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه . ، ثم قالت طائفة : هذا عام اللفظ خاص المعنى . والمراد به رجل واحد « 1 » وامرأة واحدة . وهي عناق وصاحبها ، فإنه أسلم واستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نكاحها فنزلت هذه الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 24 - سورة النور ، 1 - حدثنا عبد بن حميد ، عن عبد اللّه بن عمرو .