تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
وهذا أيضا فاسد . فإن هذه الصورة المعينة ، وإن كانت سبب النزول ، فالقرآن لا يقتصر به على محالّ أسبابه . ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها . وقالت طائفة : بل الآية منسوخة بقوله :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور : 32 ] ، وهذا أفسد من الكل . فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين . ولا تناقض إحداهما الأخرى . بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى ، وحرم نكاح الزانية ، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم . فأين الناسخ والمنسوخ في هذا ؟ ( فإن قيل ) : فما وجه الآية ؟ قيل : وجهها ، واللّه أعلم . أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة ، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط . كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء والمائدة . والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه . والإباحة قد علقت على شرط الإحصان ، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به . فالمتزوج إما أن يلتزم حكم اللّه وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله ، أو لا يلتزمه . فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله ، وإن التزمه وخالفه ، ونكح ما حرم عليه ، لم يصح إنكاح . فيكون زانيا ، فظهر معنى قوله
لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
وتبين غاية البيان . وكذلك حكم المرأة . وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه ، فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل . فإن اللّه سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغي . فإن اللّه تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه . ولهذا إذا بالغوا في سبّ الرجل قالوا ( زوج قحبة ) فحرم اللّه على المسلم أن يكون كذلك . فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية . واللّه الموفق . ومما يوضح التحريم . ، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة ، أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج ، وفساد النسب الذي جعله اللّه تعالى بين الناس لتمام مصالحهم . وعدوّه من جملة نعمه عليهم ، فالزنى يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب . فمن محاسن الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرأ . وأيضا ، فإن الزانية خبيثة ، كما تقدم بيانه واللّه سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة ، والمودة خالص الحب ، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب ، زوجا له ؟ والزوج سمي زوجا من الازدواج فالزوجان ، الاثنان المتشابهان والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا . فلا يحصل معها الازدواج والتراحم والتوادّ . فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب ، ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة . فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة ، وقد وطئها الزاني البارحة ؟ وقال : ما الزاني لا حرمة له . فهب أن الأمر كذلك ، فماء الزوج له حرمة