يَسْتَهْزِؤُنَ
أي عذابه أو جزاؤه ، على وضع السبب موضع المسبب ، إيذانا بكمال الملابسة بينهما ، أو عين استهزائهم ، إن أريد بذلك العذاب الأخرويّ ، بناء على تجسم الأعمال . فإن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية ، تبرز في النشأة الأخرى بصور جوهرية ، مناسبة لها في الحسن والقبح . أفاده أبو السعود .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 42 إلى 43 ]
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 )
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
أي يحفظكم
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ
أي من بأسه أي يفجأكم . وتقديم ( الليل ) لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا . وفي لفظ ( الرحمن ) تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته ، وتلقين للجواب . وقيل إنه إيماء إلى شدته . كغضب الحليم . وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته . ودلالة على شدة خبثهم . قال المهايميّ : ولا يمنع من ذلك عموم رحمته . إذ بتعذيبكم يعتبر أهل عصركم ومن بعدهم . فيكون لإصلاح أمورهم الموجب لرحمته عليهم ، ولا يغترون في ذلك بعموم رحمته حتى يرجى منعها عن ذلك
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
أي لا يخطرونه ببالهم ، فضلا أن يخافوا بأسه ، ويعدوا ما هم عليه من الأمن والدعة حفظا وكلاءة ، حتى يسألوا عن الكالئ
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
أي لهؤلاء المستعجلي ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم ، إن نحن أحللنا بهم عذابنا وأنزلنا بهم بأسنا ، من دوننا . ومعناه : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا . ثم وصف جل ثناؤه تلك الآلهة بالضعف والمهانة وما هي به من صفتها . ومعناه : كيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم منا ، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة منا بالنصر والتأييد . أفاده ابن جرير .
ف ( فيصحبون ) بمعنى يجارون يقال ( صحبك اللّه ) أي أجارك وسلمك ، كما في ( الأساس ) . قال ابن جرير : أي لا يصحبون بالجوار لأن العرب محكيّ عنها ( أنا لك جار من فلان وصاحب ) بمعنى أجيرك وأمنعك . وهم إذا لم يصحبوا بالجوار لم يكن لهم مانع من عذاب اللّه ، مع سخطه عليهم ، فلم يصحبوا بخير ولم ينصروا .