يستحلان الشهور . وكان الذين ينسئون الشهور أيام الموسم يقولون : حرمنا عليكم القتال في هذه الشهور إلا دماء المحلين ، فكانت العرب تستحل دماءهم خاصة في هذه الشهور . وكان لقوم من غطفان وقيس ، يقال لهم الهباآت ، ثمانية أشهر حرم ، يقال لها ( البسل ) يحرمونها تشددا وتعمقا .
الثالثة : قال ابن كثير : إنما كانت الأشهر المحرمة أربعة : ثلاثة سرد ، وواحد فرد ، لأجل أداء المناسك - الحج والعمرة - فحرم ، قبل أشهر الحج ، شهر وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال . وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك . وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين . وحرم رجب في وسط الحول ، لأجل زيارة البيت والاعتمار به ، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا .
الرابعة - قال النووي في ( شرح مسلم ) : وقد اختلفوا في كيفية عدتها على قولين حكاهما الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه ( صناعة الكاتب ) قال : ذهب الكوفيون إلى أنه يقال : المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة قال : والكتاب يميلون إلى هذا القول ليأتوا بهن من سنة واحدة قال : وأهل المدينة يقولون : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب . وقوم ينكرون هذا ويقولون : جاءوا بهن من سنتين . قال أبو جعفر : وهذا غلط بيّن ، وجهل باللغة ، لأنه قد علم المراد ، وأن المقصود ذكرها ، وأنها في كل سنة ، فكيف يتوهم أنها من سنتين ؟ قال : والأولى والاختيار ما قاله أهل المدينة ، لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما قالوا ، من رواية ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة رضي اللّه عنهم ، قال : وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل .
الخامسة - استنبط بعضهم من قوله تعالى :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
أن الإثم في هذه الأشهر المحرمة آكد وأبلغ في الإثم في غيرها ، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف ، لقوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الحج : 25 ] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام ، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء ، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم . وقال ابن عباس فيما رواه عنه عليّ بن أبي طلحة : أنه تعالى اختص من الأشهر أربعة أشهر جعلهن حراما ، وعظم حرماتهن ، وجعل الذنب فيهن أعظم ، والعمل الصالح والأجر أعظم .
وقال قتادة : إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما