اللّه - : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما ، وتعطوه سيفا ، فيضربوه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا . وهذا ما ذكره تعالى بقوله :
أَوْ يَقْتُلُوكَ
. ثم قال النجدي اللعين : صدق هذا الفتى ، هو أجودكم رأيا . فتفرقوا على رأي أبي جهل ، مجمعين على قتله . فأخبر جبريل عليه السلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه ، وأذن اللّه له في الهجرة . فأمر عليا . فنام في مضجعه ،
وقال له : اتشح ببردتي ، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه . ثم خرج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخذ قبضة من تراب ، فأخذ اللّه بأبصارهم عنه ، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ :
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
إلى قوله
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ يس : 1 - 9 ] . ومضى مع أبي بكر إلى الغار ، وبات المشركون يحرسون عليّا ، يحسبون أنه النبيّ . فلما أصبحوا ساروا إليه ليقتلوه ، فرأوا عليّا ، فقالوا : أين صاحبك ؟ فقال : لا أدري ! فاتبعوا أثره ، فلما بلغوا الغار ، رأوا نسج العنكبوت على بابه ، فقالوا : لو دخله لم يبق لنسج العنكبوت أثر .
وخيب اللّه سعيهم ، وأبطل مكرهم . ثم مكث صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ثلاثا ، ثم خرج إلى المدينة .
روي ذلك عن ابن عباس من طرق عند ابن إسحاق والإمام أحمد والحاكم والبيهقي -
دخلت روايات بعضهم في بعض - .
وقوله تعالى :
وَيَمْكُرُ اللَّهُ
أي يدبر ما يبطل مكرهم . وقوله :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
أي أعظمهم تأثيرا ، قاله المهايمي وأفاد أيضا في مناسبة هذه الآية مع ما قبلها ؛ أن هذه تشير إلى أن المتقي كما يجعل اللّه له فرقانا يمنع من الاجتراء على أهله وماله وعرضه ظاهرا ، يحفظه من مكر من مكر به ، بل يمكر له على ماكره .
انتهى .
ثم أخبر تعالى عن كفر قريش وعتوّهم وتمردهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته تعالى بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 31 ]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 )
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا
أي مثل هذا
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
أي المتلوّ . وهذا غاية المكابرة ، ونهاية العناد . كيف لا ؟ ولو استطاعوا شيئا من ذلك ،