فما الذي كان يمنعهم من المشيئة ، وقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله ، وقرّعوا على العجز ، وذاقوا من ذلك الأمرين ، ثم قورعوا بالسيف ، فلم يعارضوا سواه ، مع فرط أنفتهم ، واستنكافهم أن يغلبوا ، خصوصا في باب البيان الذي هم فرسانه ، المالكون لأزمته ، وغاية ابتهاجهم به .
وقوله تعالى :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي ما سطروه وكتبوه من القصص .
قيل : ( أساطير ) لا واحد له ، وقيل : هو جمع أسطر وسطور وأسطار ، جموع سطر ، بسكون الطاء وفتحها ، فهو جمع الجمع . وقيل : هو جمع أسطورة ، كأحدوثة وأحاديث . والأصل في السطر الخط والكتابة . يقال : سطر : كتب ، ويطلق على الصف من الشيء كالكتاب والشجر . كذا في القاموس وشرحه .
وقد روي أن قائل هذا . النضر بن الحارث من كلدة ، وأنه كان ذهب إلى بلاد فارس ، وجاء منها بنسخة حديث رستم وإسفنديار ، ولما قدم ووجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد بعثه اللّه ، وهو يتلو على الناس ما قصه تعالى من أحاديث القرون . قال : لو شئت لقلت مثل هذا ، فزعم أنه مثل ما تلقفه . وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس ، جلس فيه النضر فحدثهم من متلقفاته ، ثم يقول : باللّه ! أينا أحسن قصصا ، أنا أو محمد ؟ وقد أمكن اللّه تعالى منه يوم بدر ، وأسره المقداد ، ثم أمر صلّى اللّه عليه وسلّم به ، فضربت عنقه . وإسناده قوله إلى الجميع ، إما لرضا الباقين به أو لأن قائله كبير متبع .
وقد كان اللعين قاصّهم الذي يعلمهم الباطل ويقودهم إليه ، ويغرهم بمثل هذه الجعجعة .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 32 ]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 )
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
هذا أسلوب من الجحود بليغ ، لأنهم عدوّا حقية القرآن محالا ، فلذا علقوا عليه طلب العذاب الذي لا يطلبه عاقل ، ولو كان ممكنا لفرّوا من تعليقه عليه . والمعنى ، إن كان هذا القرآن حقّا منزلا ، فعاقبنا على إنكاره بالسجّيل ، كما فعلت بأصحاب الفيل ، أو بعذاب آخر . وفي إطلاقهم ( الحق ) عليه ، وجعله من عند اللّه تهكم بمن يقول ذلك من النبي أو المؤمنين . وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن