تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 33 ]

وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 )
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
بيان للموجب لإمهالهم ، وعدم إجابة دعائهم . واللام لتأكيد النفي ، والدلالة على أن تعذيبهم ، والنبيّ بين أظهرهم ، غير مستقيم في الحكمة ، لأن سنته تعالى ، وقضية حكمته ، ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها ، لأنه لو نزل العذاب في مكانهم لأصاب كل من كان فيه . وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم . وقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول - أن المراد استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين . قال الطيبي : وهذا الوجه أبلغ ، لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة . والثاني - أن المراد به دعاء الكفرة بالمغفرة ، وقولهم : ( غفرانك ) في طوافهم بالبيت ، كما رواه ابن أبي حاتم . فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعا من عذابه ، ولو من الكفرة . والثالث - أن المراد بالاستغفار التوبة ، والرجوع عن جميع ما هم عليه من الكفر وغيره ، فيكون القيد منفيّا في هذا ، ثابتا في الوجهين الأولين . قال القاشاني : العذاب سورة الغضب وأثره ، فلا يكون إلا من غضب النبيّ ، أو من غضب اللّه المسبب من ذنوب الأمة ، والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان صورة الرحمة ، لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] . ولهذا لما كسروا رباعيته قال : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) ولم يغضب كما غضب نوح عليه السلام وقال
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] . فوجوده فيهم مانع من نزول العذاب ، وكذا وجود الاستغفار ، فإن السبب الأوّليّ للعذاب لما كان وجود الذنب ، والاستغفار مانع من تراكم الذنب وثباته ، بل يوجب زواله ، فلا يتسبب لغضب اللّه ، فما دام الاستغفار فيهم فهم لا يعذبون . انتهى . روى الترمذي « 1 » عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنزل اللّه
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 8 - سورة الأنفال ، 4 - باب حدثنا سفيان بن وكيع .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 285 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود