تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 27 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
لما ذكّرهم تعالى بإسباغ نعمه عليهم ليشكروه ، وكان من شكره الوقوف عند حدوده ، بين لهم ما يحذر منها ، وهو الخيانة . ويدخل في خيانة اللّه تعطيل فرائضه ، ومجاوزة حدوده . وفي خيانة رسوله رفض سنته ، وإفشاء سره للمشركين . وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم ، أي السرقة منها ، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر ، وكل ما تعبدوا به . وقد روي في نزول الآية شيء مما ذكرنا . ولفظ الآية مطلق يتناوله وغيره . ومن ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن عبد اللّه بن أبي قتادة قال : نزلت في أبي لبابة حين حاصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قريظة وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد ، فاستشار قريظة من أبي لبابة في النزول على حكم سعد ، وكان أهل أبي لبابة وأمواله فيهم ، فأشار إلى حلقه - أنه الذبح - قال أبو لبابة : ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت اللّه ورسوله ، ثم حلف ألا يذوق ذواقا حتى يموت ، أو يتوب اللّه عليه . وانطلق إلى المسجد ، فربط نفسه بسارية ، فمكث أياما ، حتى كان يخرّ مغشيا عليه من الجهد ، ثم أنزل اللّه توبته ، وحلف لا يحله إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده ، فحله ، فقال : يا رسول اللّه ! إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة ، فقال : يجزيك الثلث أن تصدق به . قال بعض المفسرين : دل هذا السبب على جواز إظهار الجزع على المعصية ، وإتعاب النفس وتوبيخها ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينكر على أبي لبابة . ودل على أنه يستحب اتباع المعصية بالصدقة ، لأنه عليه السلام قال : يجزيك ثلث مالك ، وهذا سبيل قوله في هود
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[ هود : 114 ] . وفي قوله تعالى :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه من غيره ، لأنه المعنى : وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله . قال الرازي : ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد ، نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب فقال :