ثالثها : أنه مجاز عن غاية القرب من العبد ، لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر ، لاتصاله بهما ، وانفصال أحدهما عن الآخر . و ( يحول ) إما استعارة تبعية معناه يقرب . أو استعارة تمثيلية . وهذا المعنى نقل عن قتادة حيث قال : الآية كقوله تعالى
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] وفيه تنبيه على أنه تعالى مطلع ، من مكنونات القلوب ، على ما عسى أن يغفل عنه صاحبها .
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
أي فيجزيكم بأعمالكم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 25 ]
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 )
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
الفتنة : إما بمعنى الذنب ، كإقرار المنكر ، وافتراق الكلمة والتكاسل في الجهاد وإما بمعنى العذاب . فإن أريد الذنب فإصابته بإصابة أثره . وإن أريد العذاب ، فإصابته بنفسه . و
لا تُصِيبَنَّ
جواب للأمر ، أي : إن إصابتكم لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم ، بل تشملهم وغيرهم بشؤم صحبتهم ، وتعدي رذيلتهم إلى من يخالطهم ، كقوله تعالى
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
[ الروم : 41 ] . قاله القاشانيّ .
و
قد روى الإمام أحمد « 1 » عن جرير أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون ، ثم لم يغيروه ، إلا عمهم اللّه بعقاب .
وروي نحوه عن عدي بن عميرة وحذيفة والنعمان وعائشة وأم سلمة .
قال الكرخي : ولا يستشكل هذا بقوله تعالى
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[ الأنعام : 164 ] ، لأن الناس ، إذا تظاهروا بالمنكر ، فالواجب على كل من رآه أن يغيره ، إذا كان قادرا على ذلك فإذا سكت فكلهم عصاة . هذا يفعله ، وهذا برضاه .
وقد جعل تعالى ، بحكمته ، الراضي بمنزلة العامل ، فانتظم في العقوبة . انتهى .
وذكر القسطلاني أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي ، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له ، إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين ، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده ، فكل من لم يكن بهذه الحالة
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 4 / 361 .