تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
شيء واحد ، حتى يقال : ( المنفيّ على وجه الخلق ، والمثبت على وجه المباشرة ) ولو كان المقصود هذا لما ثبت المطلوب بها ، الذي هو سبب النزول ، من أنه أثبت له الرمي ، لصدوره عنه ، ونفى عنه ، لأن أثره ليس في طاقة البشر ، ولذا عدت معجزة له ، حتى كأنه لا مدخل له فيها أصلا . فمبنى الكلام على المبالغة ، ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع ، لأن معناه الحقيقي غير مقصود . هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام ، إذ لو كان المراد ما ذكر ، لم يكن مخصوصا بهذا الرمي ، لأن جميع أفعال العباد كذلك بمباشرتهم وخلق اللّه . انتهى . وهذا التحقيق جيد ، وقد نبه عليه أيضا العلامة ابن القيم في ( زاد المعاد ) حيث قال : وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته للّه ، وأنه هو الفاعل حقيقة ، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة ، مذكورة في غير هذا الموضع . ومعنى الآية : أن اللّه سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي ، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه ، فالرمي يراد به الحذف والإيصال ، فأثبت لنبيه الحذف ، ونفى عنه الإيصال . انتهى . وقوله تعالى :
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ
أي ليمنحهم من فضله
بَلاءً حَسَناً
أي منحا جميلا ، بالنصر والغنيمة والفتح ، ثم بالأجر والمثوبة ، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره ، فيعرفوا حقه ويشكروه . قال أبو السعود : واللام ، إما متعلقة بمحذوف متأخر ، فالواو اعتراضية ، أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة ، فعل ما فعل ، لا لشيء غير ذلك ، مما لا يجديهم نفعا . وإما ، برمي ، فالواو للعطف على علة محذوفة ، أي ولكن اللّه رمى ليمحق الكافرين وليبلي . . . إلخ . وتفسير البلاء هنا بالمنحة هو ما اختاره المحققون من قولهم : ( أبلاه اللّه ببلية إبلاء حسنا ) إذا صنع به صنعا جميلا ، وأبلاه معروفا ، قال زهير ( في قصيدته التي مطلعها :
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو * وأقفر من سلمى التّعانيق والثّقل
والتعانيق والثقل : مواضع ) :
جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
( أي إحسان فعلهما بكم . فأبلاهما خير البلاء ، أي صنع اللّه إليهما خير الصنيع الذي يبتلي به عباده . والإنسان يبلى بالخير والشر ) أي صنع بهما خير
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 270 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود