تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
إلى فئة وإن بعدت ، وإذا لم يقصد الإقلاع عن الجهات . وحمل عليه حديث ابن عمر المذكور . وعن الكرخي : أن الثبات والمصابرة واجب ، إذا لم يخش الاستئصال ، وعرف عدم نكايته للكفار ، والتجأ إلى مصر للمسلمين ، أو جيش ، وهكذا أطلق في ( شرح الإبانة ) فلم يبح الفرار إلا بهذه الشروط الثلاثة ، ولم يعتبر العدد الآتي بيانه . الرابع - روي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ
[ الأنفال : 66 ] ، قال الحاكم : إذا أمكن الجمع فلا نسخ وأقول : كنا أسلفنا أن السلف كثيرا ما يعنون ب ( النسخ ) تقييد المطلق ، أو تخصيص العامّ ، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها . قال بعض الأئمة : هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة ، وإن تضاعف عدد المشركين أضعافا كثيرة . لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في السورة هذه :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً
[ الأنفال : 65 ] فأوجب اللّه المصابرة على الواحد للعشرة . لأنه خبر معناه الأمر . فلما شق ذلك على المسلمين رحمهم اللّه تعالى ، وأوجب على الواحد مصابرة الاثنين ، فقال تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ
[ الأنفال : 66 ] . وعن ابن عباس : من فرّ من اثنين فقد فرّ ، ومن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ . وبالجملة ، فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضّعف ، فإن هذه الآية مقيدة بها ، فيكون الفرار من الزحف محرما بشرط ما بينه اللّه في آية الضّعف . وفي ( المهذب ) : إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين ، جاز الفرار . لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون ، فالأفضل الثبات . وإن ظنوا الهلاك ، فوجهان : يلزم الانصراف لقوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] . والثاني : يستحب ولا يجب ، لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة . وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين ، فإن لم يظنوا الهلاك ، لم يجز الفرار . وإن ظنوه فوجهان : يجوز لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] . ولا يجوز ، وصححوه لظاهر الآية . ثم بيّن تعالى أن نصرهم يوم بدر ، مع قلتهم ، كان بحوله تعالى وقوته ، فقال سبحانه :