تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ]

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 )
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
أي يقوّتكم
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
أي سبّب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم وألقى الرعب في قلوبهم ، وقوى قلوبكم ، وأمدكم بالملائكة ، وأذهب عنها الفزع والجزع
وَما رَمَيْتَ
أي أنت يا خاتم النبيين ، أي ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين
إِذْ رَمَيْتَ
أي بالحصباء ، لأن كفّا منها لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
أي بلغ بإيصال ذلك إليهم ليقهرهم . وقال أبو مسلم ( في معنى الآية ) : أي ما أصبت إذ رميت ، ولكن اللّه أصاب . والرمي لا يطلق إلا عند الإصابة ، وذلك ظاهر في أشعارهم . وقد روي عن غير واحد ؛ أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجوه المشركين يوم بدر ، حين خرج من العريش ، بعد دعائه وتضرعه واستكانته . فرماهم بها وقال ( شاهت الوجوه ) . ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ، ففعلوا ، فأوصل اللّه تلك الحصباء إلى أعين المشركين ، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ، وانهزموا .

تنبيه :

قال الجشمي : تدل الآية أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ومعونته وتمكينه . إذ معلوم أنهم قتلوا ، وأنه رمى ، ولذلك قال
إِذْ رَمَيْتَ
ولهذا يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه . وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر ، صارت أقوى ، فلذلك قال
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
. وقال في ( العناية ) : استدل بهذه الآية والتي قبلها على أن أفعال العباد بخلقه تعالى ، حيث نفى القتل والرمي . والمعنى : إذ رميت أو باشرت صرف الآلات . والحاصل : ما رميت خلقا إذ رميت كسبا . وأورد عليه أن المدعي ، وإن كان حقا ، لكن لا دلالة في الآية عليه ، لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى في بادئ النظر ، مدفوع بأن المراد ما رميت رميا تقدر به على إيصاله إلى جميع العيون ، وإن رميت حقيقة وصورة ، وهذا مراد من قال : ( ما رميت حقيقة ، إذ رميت صورة ) فالمنفيّ هو الرمي الكامل ، والمثبت أصله ، وقدر منه . فالإثبات والنفي لم يردا على