القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 21 ]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 )
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا
أي ادعوا السماع
وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
أي سماع تدبر واتعاظ ، وهم المنافقون أو المشركون . فالمنفيّ سماع خاص ، لكنه أتى به مطلقا للإشارة إلى أنهم نزّلوا منزلة من لم يسمع أصلا ، بجعل سماعهم بمنزلة العدم . وقيل : السماع مجاز عن التصديق .
قال الزمخشري : والمعنى أنكم تصدقون بالقرآن والنبوة ، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور ، من قسمة الغنائم وغيرها ، كان تصديقكم كلا تصديق ، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن .
ثم بيّن تعالى سوء حال المشبه بهم ، مبالغة في التحذير ، وتقريرا للنهي ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 22 ]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 )
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ
أي ما يدبّ على الأرض ، أو شر البهائم
عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ
أي عن سماع الحق
الْبُكْمُ
أي عن النطق به
الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
أي لا يفهمونه .
جعلهم تعالى من جنس البهائم ، لصرفهم جوارحهم عما خلقت له ، ثم جعلهم شرّها لأنهم عاندوا بعد الفهم ، وكابروا بعد العقل ، وفي ذكرهم في معرض التشبيه ، بهذا الأسلوب ، غاية في الذم . وقد كثر ، في التنزيل ، تشبيه الكافرين بنحو هذا ، كقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
[ البقرة : 171 ] ، وقال تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ الأعراف : 179 ] .
وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 23 ]
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 )
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ
أي في هؤلاء الصم البكم
خَيْراً
صدقا ورغبة
لَأَسْمَعَهُمْ
أي الحجج والمواعظ ، سماع تفهم وتدبر ، أي لجعلهم سامعين حتى