تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧

تنبيهات :

الأول - دلت الآية على وجوب مصابرة العدو ، أي الثبات عند القتال ، وتحريم الفرار منه يوم الزحف ، وعلى أنه من الكبائر . لأنه توعد عليه وعيدا شديدا . الثاني - ظاهر الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن ، وعلى كل حال ، إلّا حالة التحرف أو التحيز ، وهو مروي عن ابن عبّاس ؛ واختاره أبو مسلم . قال الحاكم : وعليه أكثر الفقهاء . وروي عن جماعة من السلف ؛ أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم ( بدر ) ، لقوله تعالى
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
وأجيب بأن الإشارة في
يَوْمَئِذٍ
إلى يوم لقاء الزحف كما يفيده السياق ، لا إلى يوم بدر . الثالث - ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
أي جماعة أخرى من المسلمين ، سوى التي هو فيها ، سواء قربت تلك الفئة أو بعدت وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس ، لكثرة الجيش من ناحية المجوس ، فقال عمر رضي اللّه عنه : لو تحيز إلي لكنت له فئة . وفي رواية عنه : أيها الناس ! أنا فئتكم . وقال الضحاك : المتحيز إلى فئة ، الفارّ إلى النبيّ وأصحابه . وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه . وجنح إلى هذا ابن كثير حيث قال : من فرّ من سرية إلى أميره ، أو إلى الإمام الأعظم ، دخل في هذه الرخصة . ثم أورد حديث عبد اللّه بن عمر المروي عند الإمام أحمد « 1 » وأبي داود « 2 » والترمذيّ « 3 » وغيرهم . قال : كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحاص الناس حيصة ، فكنت فيمن حاص ، فقلنا : كيف نصنع ؛ وقد فررنا من الزحف ، وبؤنا بالغضب ، ثم قلنا : لو دخلنا المدينة . فبتنا ! ثم قلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن كانت لنا توبة ، وإلا ذهبنا ! فأتيناه قبل صلاة الغداة ، فخرج فقال : من القوم ؟ فقلنا : نحن الفرارون . فقال : لا ، بل أنتم العكّارون ، أنا فئتكم وفئة المسلمين ، قال : فأتيناه حتى قبلنا يده . قال الترمذي : حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد - انتهى - أي وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة . قال الحاكم في ( مسألة الفرار ) : إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده . فإن ظن المقاومة لم يحلّ الفرار . وإن ظن الهلاك ، جاز الفرار
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 70 والحديث رقم 5384 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 96 - باب في التولي يوم الزحف ، حديث 2647 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في : الجهاد ، 37 - باب ما جاء في الفرار من الزحف .