تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
بالانهزام . و ( الزحف ) الجيش الكثير ، تسمية بالمصدر ، والجمع زحوف ، مثل فلس وفلوس . ويقال : زحف إليه ، أي مشى ، وزحف الصبيّ على استه قبل أن يقوم . شبه بزحف الصبيان مشي الجيش الكثير للقتال ، لأنه لكثرته يرى كأنه يزحف ، أي يدب دبيبا قبل التداني للضراب أو الطعان . قال أبو السعود :
زَحْفاً
منصوب ، إما على أنه حال من مفعول
لَقِيتُمُ
أي : زاحفين نحوكم ، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر ، هو الحال منه ، أي يزحفون زحفا . وأما كونه حالا من فاعله أو منه ، ومن مفعوله معا كما قيل - فيأباه قوله تعالى
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدوّ ، أو بكثرتهم . بل توجه العدوّ إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة ، والمحوج إلى النهي عنه . وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين ، حيث تولّوا مدبرين ، وهم زحف من الزحوف اثنا عشر ألفا - بعيد . والمعنى : إذا لقيتموهم للقتال ، وهم كثير جمّ ، وأنتم قليل ، فلا تولوهم أدباركم ، فضلا عن الفرار ، بل قابلوهم وقاتلوهم ، فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم . قال الشهاب : عدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحا للانهزام ، وتنفيرا عنه .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 16 ]

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 )
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
أي يوم اللقاء
دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ
أي مائلا له . يقال : تحرف وانحرف واحرورف : مال وعدل . وهذا التحرف إما بالتوجه إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء ، وإما بالفرّ للكرّ ، بأن يخيّل عدوه أنه منهزم ليغره ، ويخرجه من بين أعوانه ، فيفرّ عنه ، ثم يكرّ عليه وحده أو مع من في الكمين من أصحابه ، وهو باب من مكايد الحرب
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
أي منضمّا إلى جماعة أخرى من المسلمين ليستعين بهم
فَقَدْ باءَ
أي رجع
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أي ما صار إليه من عذاب النار .