مما حصل لكم من الخوف من كثرة عدوّكم . وقد كان أسهرهم الخوف ، فألقى تعالى عليهم النوم فأمنوا واستراحوا . وكذلك فعل تعالى بهم يوم ( أحد ) ، كما قال جل ذكره
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
[ آل عمران : 154 ] ، وقرئ
يُغَشِّيكُمُ
من الإغشاء ، بمعنى التغشية والفاعل في الوجهين هو اللّه تعالى وقرئ ( يغشاكم ) على إسناد الفعل إلى النعاس .
و
في الصحيح « 1 » أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان يوم ( بدر ) في العريش مع الصديق رضي اللّه عنه ، وهما يدعوان ، أخذت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سنة من النوم ، ثم استيقظ متبسما ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل ، على ثغاياه النقع . ثم خرج من باب العريش ، وهو يتلوا
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 45 ] .
ثم ذكّرهم تعالى منة أخرى تدل على نصره إياهم بقوله سبحانه :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
أي : من الحدث الأصغر والأكبر ، وهو تطهير الظاهر
وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ
أي وسوسته بأنكم على هذا الرمل لا تتمكنون من المحاربة ، ومع فقد الماء كيف تفعلون ؟ فأزال تعالى بإنزاله ، ذلك . فكان لهم به طهارة باطنة ، فكملت لهم الطهارتان ، أي من وسوسة أو خاطر سئ ، وهو تطهير الباطن
وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ
أي يقويها بالثقة ، بالأمن وزوال الخوف
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
أي على الرمل . قال مجاهد : أنزل اللّه عليهم المطر ، فأطفأ به الغبار ، وتلبدت به الأرض ، وطابت نفوسهم ؛ وثبتت به أقدامهم .
قال الجشمي : قال القاضي : وهو أشبه بالظاهر . وقيل بالصبر وقوة القلب التي أفرغها عليهم ، حتى ثبتوا لعدوّهم . وقوله ( به ) يرجع إلى الماء المنزل ، أو إلى ما تقدم من البشارة والنصر .
ثم أشار تعالى إلى نعمة خفية أظهرها تعالى لهم ليشكروه عليها بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 12 ]
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 )
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ
أي الذين أمدّ بهم المسلمين
أَنِّي مَعَكُمْ
أي بالعون والنصر .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجهاد ، 79 - باب ما قيل في درع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والقميص في الحرب .