تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
وبالجملة : إنّ المشاركة بين صفات اللّه تعالى وصفات عباده إنّما هي في الاسم ، لا في الجنس كما زعم بعضهم ، فبطل زعم من قال : إنّ إثبات كون الأفعال التي تصدر من الإنسان هي بقدرته وإرادته - يقتضي أن يكون شريكا للّه تعالى
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[ الصافات : 180 ] . المسألة الثانية : - وهي عضلة العقد ومحكّ المنتقد - أن القضاء عبارة عن تعلّق علم اللّه تعالى أو إرادته في الأزل ؛ بأنّ الشيء يكون على الوجه المخصوص من الوجوه الممكنة ، والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في الأزل . ومن الأشياء التي يتعلق بها القضاء والقدر أفعال العباد الاختيارية . فإذا كان قد سبق القضاء المبرم - بأن زيدا يعيش كافرا ويموت كافرا - فما معنى مطالبته بالإيمان وهو ليس في طاقته ؟ ولا يمكن في الواقع ونفس الأمر أن يصدر منه . لأنه في الحقيقة مجبور على الكفر في صورة مختار له ؟ كما قال بعضهم . والجواب عن هذا : أن تعلق العلم والإرادة بأن فلانا يفعل كذا ، لا ينافي أن يفعله باختيار ، إلا إذا تعلق العلم بأن يفعله مضطرا كحركة المرتعش مثلا . ولكن أفعال العباد الاختيارية قد سبق في القضاء بأنها تقع اختيارية ، أي : بإرادة فاعليها لا رغما عنهم . وبهذا صح التكليف ولم يكن التشريع عبثا ولا لغوا . وثم وجه آخر في الجواب ، وهو : لو كان سبق العلم أو الإرادة بأن فاعلا يفعل كذا ، يستلزم أن يكون ذلك الفاعل مجبورا على فعله ، لكان الواجب ، تعالى وتقدس ، مجبورا على أفعاله كلها . لأن العلم الأزليّ قد تعلق بذلك ، وكل ما تعلق به العلم الصحيح لا بد من وقوعه . فتبين - بهذا - أن الجبرية ومن تلا تلوهم قد غفلوا عن معنى الاختيار ، واشتبهت عليهم الأنظار ، فكابروا الحسّ والوجدان ، ودابروا الدليل والبرهان ، وعطلوا الشرائع والأديان ، وتوهموا أنهم يعظمون اللّه ولكنهم ما قدروه حقّ قدره ، ولا فقهوا سر نهيه وأمره ، حيث جرّءوا الجهال على التنصل من تبعة الذنوب والأوزار ، وادعاء البراءة لأنفسهم والإحالة باللوم على القضاء والقدر ، وذلك تنزيه لأنفسهم من دون اللّه ولا حول ولا قوة إلّا باللّه . بل ذلك إغراء للإنسان بالانغماس في الفسوق والعصيان . فيا عجبا لهم كيف جعلوا أعظم الزواجر من الإغراء ، وهو الاعتقاد بإحاطة علم اللّه بالأشياء ! أليس من شأن من لم يفسد الجبر فطرته ، ويظلم الجهل بصيرته ،