وبحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث .
كما يتبين ذلك في القرآن أيضا . ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير كثير من المشروعات . فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أو همت ففهم منها ما يفهم منها لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات .
كحديث « 1 » « من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة » .
أو
حديث « 2 » « ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، صدقا من قلبه ، إلا حرمه الله على النار »
. وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين الأئمة فيمن عصى الله من أهل الشهادتين .
فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه الظواهر على الإطلاق . وكأن ما عارضها مؤول عند هؤلاء . وذهب أهل السنة والجماعة إلى خلاف ما قالوه حسبما هو مذكور في كتبهم . وتأولوا هذه الظواهر . ومن جملة ذلك أن طائفة من السلف قالوا : إن هذه الأحاديث منزلة على الحالة الأولى للمسلمين . وذلك قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي . ومعلوم أن من مات في ذلك الوقت ولم يصلّ أو لم يصم ، مثلا ، وفعل ما هو محرم في الشرع - لا حرج عليه . لأنه لم يكلف بشيء من ذلك بعد . فلم يضيع من أمر إسلامه شيئا . كما أن من مات والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا حرج عليه ، لقوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ
[ المائدة : 93 ] الآية . وكذلك من مات قبل أن تحوّل القبلة نحو الكعبة ، لا حرج عليه في صلاته إلى بيت المقدس . لقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ البقرة : 143 ] إلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه ، وتصريح بأن اعتبار الترتيب في النزول مفيد في فهم الكتاب والسنة .
فصل في الاعتدال في التفسير
قال الشاطبيّ : ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال . وعليه أكثر السلف المتقدمين . بل ذلك شأنهم وبه كانوا أفقه الناس فيه ، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه . وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال ، إما على
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان ، حديث رقم 43 عن عثمان .
( 2 ) أخرجه البخاري في العلم ، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ، عن أنس بن مالك .