من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر . غير أن الكلام المنظور فيه ، تارة يكون واحدا بكل اعتبار ، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة ، طالت أو قصرت . وعليه أكثر سور المفصل . وتارة يكون متعددا في الاعتبار ، بمعنى أنه أنزل في قضايا متعددة كسورة البقرة وآل عمران والنساء واقرأ باسم ربك وأشباهها . ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة ، أم نزلت شيئا بعد شيء . ولكن هذا القسم له اعتباران : اعتبار من جهة تعدد القضايا فتكون كل قضية مختصة بنظرها . ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه ، ويشترك مع هذا الاعتبار القسم الأول . فلا فرق بينهما في التماس العلم والفقه . واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة . إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء الرجال ، ويشترك معه أيضا القسم الأول . لأنه نظم ألقي بالوحي ، وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر . وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز . وبعض مسائل نبه عليها في المسألة السابقة قبل . وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات . فاعتبار جهة النظم ، مثلا ، في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر . فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود . كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما ، لا يفيد إلّا بعد كمال النظر في جميعها . فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم . واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها : منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب . ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم .
ومنها ما هو المقصود في الإنزال . وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب .
ومنها : الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك . ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام : فبه يبين ما تقدم .
فقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 183 ] إلى قوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
. كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى . وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه ، وقضائه وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها ، ولا ينبني إلا عليها .
ثم جاء قوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ البقرة : 188 ] الآية .
كلاما آخر ، بيّن أحكاما أخر .
وقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] .
وانتهى الكلام على قول طائفة . وعند أخرى أن قوله :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ