الإفراط وإما على التفريط ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية ، فما قاموا في تفهم معانيه ، ولا قعدوا . كما تقدم عن الباطنية وغيرها . ولا إشكال في اطّراح التعويل على هؤلاء .
والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى . وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية . وأن ما لم يكن معهودا عند العرب فلا يعتبر فيها . ومرّ فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها . ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة . فما وراء ذلك ، إن كان مقصودا لها ، فبالقصد الثاني . ومن جهة ما هو معين على إدراك المعنى المقصود . كالمجاز والاستعارة والكناية ، وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى فكر . فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف . وذلك ليس من كلام العرب .
فكذلك لا يليق بالقرآن من باب الأولى . وأيضا ، فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه ثم التعبد بمقتضاه . وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير وردّ إلى الصراط المستقيم . فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمّرا عن ساعد الجد والاجتهاد ، باذلا غاية الطاقة في الموافقات ، هاربا بالكلية عن المخالفات - وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها ، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد .
وتفريع التجنيس ، ومحاسن الألفاظ ، والمعنى في الخطاب ، بمعزل عن النظر فيه .
كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة ، بل التفقه في المعبر عنه ، وما المراد به . هذا لا يرتاب فيه عاقل . ولا يصح أن يقال : إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني ، بإجماع العلماء . فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره ؟ ولأن الاشتغال بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها ، دون الاشتغال بالمعنى المقصود ، لا ينكر في الجملة . وإلّا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه . وليس كذلك باتفاق العلماء . لأنا نقول : ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق . كيف ؟ وبالعربية فهمنا عن الله تعالى مراده من كتابه . وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط الذي يشكّ في كونه مراد المتكلم . أو يظن أنه غير مراد . أو يقطع به فيه . لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها . ولم يشتغل بالتفقه فيها سلف هذه الأمة . فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة : من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلانيّ بما أنزلت من قولي :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ