تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

فصل « في أن المدنيّ من السور منزل في الفهم على المكيّ »

قال الشاطبيّ : المدنيّ من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكيّ ، وكذلك المكيّ بعضه مع بعض . والمدنيّ بعضه مع بعض . على حسب ترتيبه في التنزيل . وإلا لم يصح . والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدنيّ ، في الغالب ، مبنيّ على المكيّ . كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبنيّ على متقدمه ، دل على ذلك الاستقراء ، وذلك إنما يكون ببيان مجمل ، أو تخصيص عموم ، أو تقييد مطلق ، أو تفصيل ما لم يفصل ، أو تكميل ما لم يظهر تكميله . وأول شاهد على هذا أصل الشريعة : فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبل من ملة إبراهيم عليه السلام . ويليه تنزيل سورة الأنعام . فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين . وقد خرّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة . هذا ما قالوا . وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به ، من قرب ، بيان القواعد الشرعية الكلية التي إذا انخرم منها كلي واحد انخرم نظام الشريعة ، أو نقص منها أصل كلّي . ثم لما هاجر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة ، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام . فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها ، وإن تبيّن في غيرها تفاصيل لها . كالعبادات التي هي قواعد الإسلام . والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما . والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها . والجنايات من أحكام الدماء وما يليها . وأيضا ، فإن حفظ الدين فيها وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها . وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل . فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبنيّ عليها ، كما كان غير الأنعام ، من المكيّ المتأخر عنها ، مبنيا عليها . وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة . فلا يغيبنّ على الناظر في الكتاب هذا المعنى فإنه من أسرار علوم التفسير . وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه .

ثم قال الشاطبيّ : فصل

وللسنة هنا مدخل لأنها مبينة للكتاب . فلا تقع في التفسير إلا على وفقه .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 91 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود