أوحى اللّه تعالى اليه ما أيأسه من إيمان أحد من قومه بعد الآن غير من قد آمن من قبل منهم فهم ثابتون على إيمانهم دائمون عليه
فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
أي فلا يشتدن عليك البؤس والحزن واحتمال المكاره بعد اليوم بما كانوا يفعلون في السنين الطوال من تكذيبهم وعنادهم وإيذائهم لك ولمن آمن لك ، إذ كنت تعرض له وتستهدف لسهامه رجاء في إيمانهم واهتدائهم ، فأرح نفسك بعد الآن من جدالهم وسماع أقوالهم ومن إعراضهم واحتقارهم ، فقد آن زمن الانتقام منهم
* * *
37
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
الفلك السفينة يطلق على المفرد والجمع والظاهر من تعريفه هنا ان اللّه تعالى كان أخبره خبره . أي واصنع الفلك الذي سننجيك ومن آمن معك فيه حال كونك ملحوظ ومرقبا بأعيننا من كل ناحية ، وما يلزمه من حفظنا في كل آن وحالة ، فلا يمنعك منه مانع ، وملهما أو معلما بوحينا لك كيف نصنعه ، فلا يعرض لك في صفته خطأ ، وجمع لأعين هنا لإفادة شدة العناية بالمراقبة والحفظ ، وان قال مجاهد : أي بعيني ووحي فان العرب تعبر برؤية العين الواحدة عن العناية وبالأعين عن المبالغة فيها . قال تعالى لموسى ( ع . م )
( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي )
وقال لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ،
وفي الأساس وتقول لمن بعثته واستعجلته « بعين ما أرينك » أي لا تلو على شيء فكأني أنظر إليك ا ه وقال الشاعر :
وإذا العناية لاحظتك عيونها * ثم فالمخاوف كلهن أمان
وهذا التفسير هو الظاهر بل المتبادر من هذا التعبير ، وليس تأويلا صرف به عن الظاهر لايهامه التشبيه فإنما مرادهم بالتأويل حمل اللفظ على المعنى المرجوح من معنييه أو معانيه لمانع من حمله على المعنى الراجح ، وهو لا ينحصر في الحقيقة اللغوية
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي لا تراجعني في أمرهم بشيء من طلب الرحمة بهم ودفع العذاب عنهم
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
أي حقت عليهم كلمة العذاب وقضي عليهم القضاء الحتم بالاغراق ، فلا تأخذك بهم رأفة ولا اشفاق ، وقيل معناه : ولا تخاطبني بعد في استعجال تعذيبهم وتكرار الدعاء عليهم ، ويرجح هذا