تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
* * * 34
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
النصح تحري الصلاح والخير للمنصوح له والاخلاص فيه قولا وعملا من قولهم ناصح العسل لخالصه المصفى منه ، ونصح له أفصح من نصحه ، والاغواء الايقاع في الغي وهو الفساد الحسي والمعنوي ، والمعنى ان نصحي لكم لا ينفعكم بمجرد إرادتي له فيما أدعوكم اليه وانما يتوقف نفعه على إرادة اللّه تعالى ، وقد مضت سنته تعالى بما عرف بالتجارب أن نفع النصح له شرطان أو طرفان هما الفاعل للنصح والقابل له ، وانما يقبله المستعد للرشاد ، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد ، بمقارفة أسبابه من الغرور بالغنى والجاه والكبر ، وهو غمط الحق واحتقار المتكبر لمن يزدري من الناس ، وتعصبه لما كان عليه الآباء والأجداد ، واتباع الهوى وحب الشهوات المانعة من طاعة اللّه ، فمعنى إرادة اللّه تعالى لاغوائهم اقتضاء سنته فيهم أن يكونوا من الغاوين ، لا خلقه للغواية فيهم جزافا أنفا ( بضمتين ) أي ابتداء بغير عمل ولا كسب منهم لأسبابها ، فان هذا مضاد لمذهب أهل السنة في إثبات خلق الأشياء مقدرة بأقدارها ، ترتبط أسبابها بمسبباتها ، وفسر ابن جرير ( يغويكم ) بيهلككم بعذابه ، وقد ورد الغي بهذا المعنى ومنه قوله تعالى
( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا )
وحكي عن طي قولهم : أصبح فلان غاويا ، إذا أصبح مريضا . وأصل الغي فساد الجهاز الهضمي من كثرة الغذاء أو سوئه تقول العرب غوي الفصيل إذا فسد جوفه وبشم من كثرة اللبن . ثم توسعوا فيه فاستعمل في الفساد المعنوي من الانهماك في الجهل وكل ما ينافي الرشد . والقرائن هي التي ترجح بعض المعاني على بعض ، وموافقة سنن اللّه وأقداره شرط في الكل ، وبه يعرف الحق في اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في الآية وأمثالها بناء على اختلافهم في إرادة اللّه تعالى لكل من الخير والشر مطلقا ، وتقدم بسط ذلك في مواضع من هذا التفسير
هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي هو مالك أموركم ومدبرها ومسيرها على سنته المطردة في الدنيا ، ولكل شيء عنده قدر ، ولكل قدر أجل ، واليه ترجعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها لا يظلم أحدا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 70 | الشيخ محمد رشيد رضا