تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
بعد العلم به ، فلعل الأولى تعليل لرجوعه إليهم بافتائه ، ولعل الثانية تعليل لما يرجوه من علمهم بها ، والرجاء توقع خير بوقوع أسبابه * * * 47
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً
أي قال يوسف مبينا للملأ ما يجب عليهم عمله لتلافي ما تدل عليه هذه الرؤيا من الخطر على البلاد والعباد قبل وقوع تأويلها الذي بينه في سياق هذا التدبير العملي ، وهذا ضرب من بلاغة الأسلوب والايجاز ، لا تجد له ضريبا في غير القرآن ، خاطب أولي الأمر بما لقنه للساقي خطاب الآمر للمأمور الحاضر ، فأوجب عليهم الشروع في زراعة القمح دائبين عليه دأبا مستمرا كما قال تعالى
( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ )
سبع سنين بلا انقطاع . قال الزمخشري [ تزرعون ] خبر في معنى الامر كقوله تعالى
( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ )
وإنما يخرج الامر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به ، فيجعل كأنه يوجد فهو يخبر عنه ، والدليل على كونه في معنى الامر قوله
فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
أي فكل ما حصدتم منه في كل زرعة فاتركوه أي ادخروه في سنبله بطريقة تحفظه من السوس بعدم سريان الرطوبة اليه ، الحب لغذاء الناس والتين لغذاء البهائم والدواب :
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
في كل سنة من هذه السنين مع مراعاة القصد والاكتفاء بما يسد حاجة الجوع فان الناس يقنعون في سني الخضب والرخاء بالقليل ، فهذه السنين السبع تأويل للبقرات السبع السمان ، والسنبلات السبع الخضر على ظاهرها في كون كل سنبلة تأويلا لزرع سنة * * * 48
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ
أي سبع سنين شدّاد في محلهن وجد بهن
يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ
أي يأكل أهلهن كل ما قدمتم لهم ، وهو من إسنادهم إلى الزمان والدهر ما يقع فيه ، ويكثر إسناد العسر والجوع إلى سني الجدب : يقال أكلت لنا هذه السنة كل شيء ولم تبق لنا خفا ولا حافرا ، ولا سبدا ولا لبدا . أي لا شعرا ولا صوفا . وهذا تأويل للبقرات السبع العجاف وأكلهن للسبع السمان ، وللسنبلات اليابسات
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
أي تحرزون وتدخرون للبذر