السجن ، ولو أتاه الرسول لبادرهم الباب . . فهو مرسل لا يحتج به
( ومنها ) عزة نفسه وحفظ كرامتها إذ لم يرض أن يكون متهما بالباطل حتى يظهر براءته ونزاهته ( ومنها ) وجوب الدفاع عن النفس وإبطال التهم التي تخل بالشرف كوجوب اجتناب مواقفها ( ومنها ) مراعاته النزاهة بعدم التصريح بشيء من الطعن على النسوة وترك أمر التحقيق إلى الملك يسألهن ما بالهن قطعن أيديهن وينظر ما يجبن به ( ومنها ) أنه لم يذكر سيدته معهن وهي أصل الفتنة وفاء لزوجها ورحمة بها لان أمر شغفها به كان وجدانا قاهرا لها ، وإنما اتهمها أولا عند وقوفه موقف التهمة لدى سيدها وطعنها فيه دفاعا عن نفسه ، فهو لم يكن له بد منه
* * *
51
قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
الخطب الشأن العظيم الذي يقع فيه التخاطب والبحث لغرابته أو إنكاره ومنه قول إبراهيم للملائكة
( فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) *
وقول موسى في قصة العجل
( فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ؟ )
وقوله للمرأتين اللتين كانتا تذودان ماشيتهما عن مورد السقيا
( ما خَطْبُكُما )
وهذه الجملة بيان لجواب سؤال مقدر دل عليه السياق كأمثاله والمعنى ان الرسول بلغ الملك قول يوسف وأنه لا يخرج من السجن استجابة لدعوته حتى يحقق مسألة النسوة ، فجمعهن وسألهن : ما خطبكن الذي حملكن على مراودته عن نفسه هل كان عن ميل منه اليكن ، ومغازلة لكنّ قبلها ، وهل رأيتين منه مواتاة واستجابة بعدها ؟ أم ما ذا كان سبب إلقائه في السجن مع المجرمين ؟
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
أي معاذ اللّه ما علمنا عليه أدنى شيء يشينه ويسوءه لا كبير ولا صغير ، ولا كثير ولا قليل ، هذا ما يدل عليه نفي العلم مع تنكير سوء ودخول « من » عليها وهو أبلغ من نفي رؤية السوء عنه
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
أي ظهر بعد خفائه وانحسرت رغوة الباطل عن محضه ، وهو تكرار من حصه إذا قطع منه حصة بعد حصة ( بالكسر ) وهي النصيب لكل شريك في شيء ، مثل كبكب وكفكف الشيء إذا كبه وكفه مرة بعد أخرى ، فهي تقول ان الحق في هذه القضية كان في رأي الذين بلغهم موزع التبعة بيننا معشر النسوة وبين يوسف ، لكل منا حصة ، بقدر ما عرض فيها من شبهة ، والآن قد ظهر الحق في جانب واحد لا خفاء فيه ولا شبهة عليه ، فإن كان