تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
الذين اتخذوا لأنفسهم أربابا متفرقة ليس لها من الربوبية أدنى نصيب ومن العجيب أن هذه الحقيقة التي بينها القرآن في مئات من الآيات البينات تتلى في السور الكثيرة بالأساليب البليغة ، صار يجهلها كثير من الذين يدعون اتباع القرآن ، فمنهم من يجهل حقيقة التوحيد نفسه فيتوجهون إلى غير اللّه إذا مسهم الضر أو عجزوا عن بعض ما يحبون من النفع فيدعونهم خاشعين راغبين من دون اللّه ، ويسمونهم شفعاء ووسائل عند اللّه ، كما كان يفعل من كان قبلهم من المشركين ، ومنهم من يعرف معنى التوحيد ولكنهم يجهلون أن جميع رسل اللّه دعوا اليه جميع الأمم ، زاعمين ان هذه الدعوة انفرد بها إبراهيم والرسل من ذريته فقط كما يفهمون من كتب أهل الكتاب والإفرنج ، فهم يكتبون هذا في الصحف وفي أسفار التاريخ وفيما يسمونه فلسفة الدين أو فلسفة التفكير ، فهم يزعمون أن البشر نشئوا على الأديان الوثنية حتى كان أول من دعاهم إلى التوحيد إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من زهاء أربعة آلاف سنة ، والقرآن حجة عليهم بتصريحه ان اللّه تعالى أرسل في جميع الأمم رسلا دعوهم إلى التوحيد أولهم نوح عليه السّلام ، فان قومه كانوا أول من عبد الصالحين الميتين واتخذوا لهم الصور والأصنام ، وكان البشر قبلهم على الفطرة وتوحيد آدم عليه السّلام « 1 » ( فان قيل ) ان يوسف عليه السّلام لم يدع صاحبيه في السجن وسائر من كان معهما فيه إلى غير التوحيد من شرع آبائه فما سبب ذلك ؟ ( قلت ) ان أهل مصر كانوا أصحاب شريعة تامة لم يبعث لنسخها ولا لتغييرها ، وهي في الأصل سماوية وإنما طرأت الوثنية على توحيدهم للّه تعالى وأحدثوا تقاليد خيالية في البعث ، فهو قد دعاهم إلى أصل الدين الذي كان عليه جميع رسل اللّه وهو التوحيد والآخرة وما فيها من الحساب والجزاء ، وقد طرأ عليها عندهم ما أشرنا اليه آنفا في تفسير قوله
هامش
( 1 ) عند كتابة هذا جاءني الجزء 8 : 6 من مجلة الشبان المسلمين التي صدرت في شهر المحرم سنة 1334 فإذا فيه مقالة عنوانها ( الاسلام منذ 8000 سنة في وادي النيل ) ذكر فيها كاتبها ان سكان مصر الأولين كانوا قبائل همجية على الفطرة وان الوافدين إليها من غرب آسية ( اي بلاد العرب ) كانوا على شيء من المعارف الدينية وغيرها وهم الذين ادخلوها إلى هذه البلاد وأهمها التوحيد والبعث