الذين اتخذوا لأنفسهم أربابا متفرقة ليس لها من الربوبية أدنى نصيب
ومن العجيب أن هذه الحقيقة التي بينها القرآن في مئات من الآيات البينات تتلى في السور الكثيرة بالأساليب البليغة ، صار يجهلها كثير من الذين يدعون اتباع القرآن ، فمنهم من يجهل حقيقة التوحيد نفسه فيتوجهون إلى غير اللّه إذا مسهم الضر أو عجزوا عن بعض ما يحبون من النفع فيدعونهم خاشعين راغبين من دون اللّه ، ويسمونهم شفعاء ووسائل عند اللّه ، كما كان يفعل من كان قبلهم من المشركين ، ومنهم من يعرف معنى التوحيد ولكنهم يجهلون أن جميع رسل اللّه دعوا اليه جميع الأمم ، زاعمين ان هذه الدعوة انفرد بها إبراهيم والرسل من ذريته فقط كما يفهمون من كتب أهل الكتاب والإفرنج ، فهم يكتبون هذا في الصحف وفي أسفار التاريخ وفيما يسمونه فلسفة الدين أو فلسفة التفكير ، فهم يزعمون أن البشر نشئوا على الأديان الوثنية حتى كان أول من دعاهم إلى التوحيد إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من زهاء أربعة آلاف سنة ، والقرآن حجة عليهم بتصريحه ان اللّه تعالى أرسل في جميع الأمم رسلا دعوهم إلى التوحيد أولهم نوح عليه السّلام ، فان قومه كانوا أول من عبد الصالحين الميتين واتخذوا لهم الصور والأصنام ، وكان البشر قبلهم على الفطرة وتوحيد آدم عليه السّلام « 1 »
( فان قيل ) ان يوسف عليه السّلام لم يدع صاحبيه في السجن وسائر من كان معهما فيه إلى غير التوحيد من شرع آبائه فما سبب ذلك ؟ ( قلت ) ان أهل مصر كانوا أصحاب شريعة تامة لم يبعث لنسخها ولا لتغييرها ، وهي في الأصل سماوية وإنما طرأت الوثنية على توحيدهم للّه تعالى وأحدثوا تقاليد خيالية في البعث ، فهو قد دعاهم إلى أصل الدين الذي كان عليه جميع رسل اللّه وهو التوحيد والآخرة وما فيها من الحساب والجزاء ، وقد طرأ عليها عندهم ما أشرنا اليه آنفا في تفسير قوله
هامش
( 1 ) عند كتابة هذا جاءني الجزء 8 : 6 من مجلة الشبان المسلمين التي صدرت في شهر المحرم سنة 1334 فإذا فيه مقالة عنوانها ( الاسلام منذ 8000 سنة في وادي النيل ) ذكر فيها كاتبها ان سكان مصر الأولين كانوا قبائل همجية على الفطرة وان الوافدين إليها من غرب آسية ( اي بلاد العرب ) كانوا على شيء من المعارف الدينية وغيرها وهم الذين ادخلوها إلى هذه البلاد وأهمها التوحيد والبعث