بالظن لان ما علم من قضاء الملك بذلك يحتمل ان يعرض ما يحول دون تنفيذه ، وقد بينا في الكلام على رؤيا يوسف وما فهمه أبوه منها من أمر مستقبله ان علم الأنبياء ببعض الأمور المستقبلة إجمالي الخ وقال جمهور المفسرين ان الظن هنا بمعنى العلم وفي هذه الدعوى نظر وقد بينا تحقيق الحق في الفرق بين الظن والعلم لغة واصطلاحا في موضع آخر فلا محل لإعادته هنا
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
أي عند سيدك الملك بما رأيت وسمعت وعلمت من أمري عسى أن ينصفني ممن ظلموني ويخرجني من السجن ، وهذا الذكر يشمل دعوته إباهم إلى التوحيد وتأويله للرؤيا وإنباءهم بكل ما يأتيهم من طعام وغيره قبل إتيانه ، وآخره فتواه الصريحة فهي جديرة بأن تذكره به كلما قدم للملك شرابه
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
أي أنسى الساقي تذكر ربه وهو أن يذكر يوسف عنده على حد
( وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ )
فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
منسيا مظلوما ، والفاء على هذا للسببية وهو المتبادر من السياق ، والجاري على نظام الأسباب ، ويؤيده قوله تعالى الآتي قريبا
( وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ )
أي تذكر ، إلا أن هذا الاستعمال يحتاج إلى حذف وتقدير . ووجهوه بأنه أضاف المصدر اليه لملابسته له ، أو انه على تقدير : ذكر إخبار ربه ، فحذف المضاف وهو كثير كما أن الإضافة لأدنى ملابسة كثير في كلامهم
وقيل إن المعنى ان الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه وهو اللّه عز وجل فعاقبه اللّه تعالى بابقائه في السجن بضع سنين « 1 » وقالوا إن ذنبه الذي استحق عليه هذا العقاب انه توسل إلى الملك لاخراجه ولم يتوكل على اللّه عز وجل ، وجاؤوا عليه بروايات لا يقبل في مثلها إلا الصحيح المرفوع أو المتواتر منه ، لأنها تتضمن الطعن في نبي مرسل ، ولكن قبلها على علاتها الجمهور كعادتهم وهو خلاف الظاهر من وجوه :
( الأول ) عطف الانساء على ما قاله للساقي بالفاء يدل على وقوعه عقبه ، ومفهومه أنه كان ذاكرا للّه تعالى قبله إلى أن قاله فلو كان قوله ذنبا عوقب عليه لوجب
هامش
( 1 ) استشهدت بهذا القول المشهور في تفسير( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ )وهو خطأ