تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
من الوحي ، وان كلمات الآب والابن وروح القدس لها معان عند الذين آمنوا بالمسيح في حياته هي غير المعاني الاصطلاحية عند كنائس الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت الجامعة لأكثر النصارى ، والأحرار العقليون من نصارى الإفرنج يرفضونها كلهم وهم ملايين ولكن ليس لهم كنيسة جامعة ، وإنما يقولون في المسيح ما قرره الاسلام فيه وأكثرهم لا يعلمون ذلك ، ولو عرفوا حقيقة الاسلام لكانوا كلهم مسلمين ، ولكنهم سيعلمون ويسلمون اتباعا ، كما أسلموا فطرة وعقلا
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
أي ما الحكم الحق في الربوبية ، والعقائد والعبادات الدينية ، إلا للّه وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله ، لا يمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه ولا بعقله واستدلاله ، ولا باجتهاده واستحسانه ، فهذه القاعدة هي أساس دين اللّه تعالى على ألسنة جميع رسله لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ثم بين أول أصل بنى عليها لأنه أول ما يجب أن يسأل عنه من عرفها فقال
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
بل إياه وحده فادعوا واعبدوا ، وله وحده فاركعوا واسجدوا ، واليه وحده فتوجهوا ، حنفاء للّه غير مشركين به ملكا من الملائكة الروحانيين ، ولا ملكا من الملوك الحاكمين ، ولا كاهنا من المتعبدين ، ولا شمسا ولا قمرا ، ولا نجما ولا شجرا ، ولا نهرا مقدسا كالكنج والنيل ، ولا حيوانا كالعجل أبيس ، فالمؤمن الموحد للّه لا يذل نفسه بالتعبد لغير اللّه من خلقه بدعاء ولا غيره ، لايمانه بأنه هو الرب المدبر المسخر لكل شيء ، وأن كل ما عداه خاضع لإرادته وسننه في أسباب للنافع والمضار ، لا يملك لنفسه ولا لغيره غير ما أعطاه من القوى التي هي قوام جنسه ومادة حياة شخصه
( أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى )
فاليه وحده الملجأ في كل ما يعجز عنه الانسان أو يجهله من الأسباب ، واليه المصير للجزاء على الاعمال يوم الحساب
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي الحق المستقيم الذي لا عوج فيه من جهالة الوثنيين ، الذي دعا اليه جميع رسل اللّه أقوامهم ومنهم آبائي : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
ذلك حق العلم لاتباعهم أهواء آبائهم الوثنيين ،