تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠

( حادثة مكر النسوة بامرأة العزيز ومراودة يوسف )

هذه الآيات الخمس في حادثة النسوة من كبار بيوتات مصر اللائي مكرن بامرأة العزيز لتجمعهن بهذا الشاب الذي فتنها جماله ، وأذلها عفافه وكماله ، حتى راودته عن نفسه وهو فتاها ، ودعته إلى نفسها فردها وأباها ، خشية وطاعة للّه ، وحفظا لأمانة السيد المحسن اليه ، أن يخونه في أعز شيء لديه ، لعله يصبو إليهن ، ويجذبه من جمالهن الطارىء المفاجيء له ، ما لم يجذبه من جمالها الذي ألفه قبل أن يبلغ أشده ، وكان نظره إليها نظر الرقيق إلى سيدته ، أو الولد إلى والدته ، وقد جاءت في السورة بأبدع صورة من الايجاز والبلاغة ، وأعلى تعبير من الأدب والنزاهة ، وهو : * * * 30
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ
النسوة جمع قلة للمرأة من غير مادة لفظها ولم يبين لنا التنزيل عددهن ولا أسماءهن ولا صفاتهن لان الفائدة في العبرة محصورة في أن عملهن عمل جماعة قليلة يعهد في العرف ائتمارهن واتفاقهن على الاشتراك في مثل هذا المكر المنكر ، في مدينة كبيرة كعاصمة مصر ، التي بلغت منتهى فتن الحضارة ، وما تقتضيه من التمتع بالشهوات والزينة ، ولفظ النسوة مفرد مذكر فيجوز تذكير ضميره للفظه وتأنيثه لمعناه ومن غريب فتنة الروايات الباطلة أن يدعي بعضهم أن اللواتي أجبن دعوتها الآتية منهن كن أربعين امرأة ، وهو مردود بالتعبير عن العاذلات كلهن بجمع القلة ، وكذا ما علم بقرينة الحال والمقال من أنهن من بيوتات كبار الدولة ، فان نساء البيوت الدنيا وكذا الوسطى لا يتسامين بعد الانكار على امرأة العزيز كبير وزراء الملك ، إلى الوصول إليها بالمكر والحيلة ، لمشاركتها في فتنتها بل نعمتها ، أو سلب عشيقها منها ، ويؤيد ذلك ما يأتي من عاقبة حادثتهن ، وكان من الطبيعي المعهود أن يعرفن نبأها معه ، ويكون حديثهن الشاغل لهن في مجالسهن الخاصة ، وكان خلاصته
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 290 | الشيخ محمد رشيد رضا