فضلا عن نبي عصمه اللّه ووصفه بما وصف وشهد له بما شهد ، وقد بلغ ببعضهم ( كالسدي ) الجهل بالدين والوقاحة وقلة الأدب ان يزعموا ان يوسف عليه السّلام لم ير برهانا واحدا بل رأى عدة براهين من رؤية والده متمثلا له منكرا عليه ، وتكرار وعظه له ، ومن رؤية بعض الملائكة ونزولهم عليه باشد زواجر القرآن بآيات من سوره ، فلم تنهنه من شبقه ، ولم تنهه عن غيه ، حتى كان أن خرجت شهوته من أظافره ، ومعنى هذا أنه لم يكف إلا عجزا عن الامضاء ، أفبهذا صرف اللّه عنه السوء والفحشاء ، وكان من عباد اللّه المخلصين ، وأنبيائه المصطفين المجتبين الأخيار ؟
ولئن كان عقلاء المفسرين أنكروا هذه الروايات الإسرائيلية الحمقاء ، حماية لعقيدة عصمة الأنبياء ، فإنه لم يكد يسلم أحد من تأثير بعضها في أنفسهم ، وتسليمهم لهم ان الهم من الجانبين كان بمعنى العزم على الفاحشة ، إلا من خالف قواعد اللغة فقال ان قوله تعالى
( وَهَمَّ بِها )
جواب لقوله
( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ )
ومن قال إن جوابه محذوف دل عليه ما قبله ، فهو على هذين القولين لم يهم بشيء ، وهو خلاف المتبادر من العبارة أو ظاهرها ، وتأوله بعضهم بأن همه بالفاحشة بمقتضى الداعية الفطرية لا ينافي العصمة وانما ينافيها طاعتها بدليل ما صح في الحديث ان من هم بسيئة ولم يفعلها لم تكتب عليه ، وان امتناعه عنها بترجيح داعية الايمان وطاعة اللّه تعالى مع طغيانها وإلحاحها الطبيعي عليه أدل على الايمان والطاعة من كونه لم يفعلها كراهة لها وعزوفا عنها لقبحها ، ولهم تأويلات من هذا ولقد كانوا لولا تأثير الرواية في غنى عنها ،
والتأويل الأخير أوله مقبول وآخره مردود ، فههنا مرتبتان إحداهما الكف عن المعصية جهادا للنفس وكبحالها خوفا من اللّه تعالى ، وهي مرتبة الصالحين الأبرار ، ومرتبة الكراهة لها والاشمئزاز منها حياء من اللّه ومراقبة له واستغراقا في شهوده ، وهي مرتبة الصديقين والنبيين الأخيار ، الذين إذا عرضت لهم الشهوة المستلذة بالطبع ، بالصورة المحرمة في الشرع ، عارضها من وجدان الايمان ، وتجلي الرحمن ، ما تغلب به روحانيتهم الملكية ، على طبيعتهم الحيوانية ، وهذا مما قد يحصل لمن دون الأنبياء منهم ، فكيف بمن يرون برهان ربهم بأعين قلوبهم ، وينعكس نوره عن