والعلم اللذين آتاه اللّه إياهما بعد بلوغ الأشد ، وشاهده قوله تعالى
( قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً )
وإما معجزتها كما قال تعالى لموسى في آيتي العصا واليد
( فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ )
وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا وهي مراقبته للّه تعالى ورؤية ربه متجليا له ناظرا اليه ، وفاقا لما قاله أخوه محمد خاتم النبيين في تفسير الاحسان « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فيوسف قد رأى هذا البرهان في نفسه ، لا صورة أبيه متمثلة في سقف الدار ، ولا صورة سيده العزيز في الجدار ، ولا صورة ملك يعظه بآيات من القرآن ، وأمثال هذه الصور التي رسمتها أخيلة بعض رواة التفسير المأثور بما لا يدل عليه دليل من اللغة ولا العقل ولا الطبع ولا الشرع ، ولم يرو في خبر مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحاح ولا فيما دونها ، وما قلناه هو المتبادر من اللغة ووقائع القصة ، ومقتضى ما وصف اللّه به يوسف في هذا السياق وغيره من السورة ولا سيما قوله في أوله
( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )
وما فسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به الاحسان ، وقوله في تعليله
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ
أي كذلك فعلنا وتصرفنا في أمره لنصرف عنه دواعي ما أرادته به أخيرا من السوء وما راودته عليه قبله من الفحشاء ، بحصانة أو عصمة منا تحول دون تأثير دواعيهما الطبيعية في نفسه ، فلا يصيبه شيء يخرجه من جماعة المحسنين الذين شهدنا له بأنه منهم ، إلى جماعة الظالمين الذين ذمهم وشهد هو في رده عليها بأنهم لا يفلحون وشهادته حق
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
بفتح اللام وهم آباؤه الذين أخلصهم ربهم وصفاهم من الشوائب وقال فيهم ( 38 : 45
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ 46 إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ 47 وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
) وقد قلنا في أول القصة ، إن يوسف هو الحلقة الرابعة في سلسلتهم الذهبية ، وان أباه بشره بذلك بعد أن قص عليه رؤياه إذ قال له
( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ )
فالاجتباء هو الاصطفاء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( المخلصين ) بكسر اللام . والقراءتان متفقتان متلازمتان فهم مخلصون للّه في إيمانهم به وحبهم وعبادتهم له ، ومخلصون عنده بالولاية والنبوة والعتابة