تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ومراودة عن نفسها لا مراودة ، حتى أن حماة الأنوف من كبراء الرجال ، ليطئطؤن الرؤوس لفقيرات الحسان ربات الجمال ، ويبذلون لهن ما يعتزون به من الجاه والمال ، بل إن الملوك ليذلون أنفسهم لمملوكاتهم وأزواجهم ولا يأبون أن يسموا أنفسهم عبيدا لهن ، كما روي عن بعض ملوك الأندلس :
نحن قوم تذيبنا الأعين النج * ل على أننا نذيب الحديدا
فترانا لدى الكريهة أحرا * را وفي السلم للملاح عبيدا
ولكن هذا العبد العبراني الخارق للطبيعة البشرية في حسنه وجماله ، وفي جلاله وكماله ، وفي إبائه وتألهه ، قد عكس القضية ، وخرق نظام الطبيعة والعوائد بين الجنسين ، فأخرج المرأة من طبع أنوثتها في إدلالها وتمنعها ، وهبط بالسيدة المالكة من عزة سيادتها وسلطانها ، ودهور الأميرة ( الأرستقراطية ) من عرش عظمتها وتكبرها ، وأذلها لعبدها وخادمها ، بما هونه عليها : قرب الوساد ، وطول السواد « 1 » والخلوة من وراء الاستار والأبواب ، حتى أنها لتراوده عن نفسه في مخدع دارها ، فيصد عنها علوا ونفارا ، ثم تصارحه بالدعوة إلى نفسها فيزداد عتوا واستكبارا ، معتزا عليها بالديانة والأمانة ، والترفع عن الخيانة ، وحفظ شرف سيده وهو سيدها وزوجها وحقه عليها أعظم ، ان هذا الاحتقار لا يطاق ، ولا علاج لهذا الفاتن المتمرد إلا تذليله بالانتقام ، هذا ما ثار في نفس هذه المرأة المفتونة بطبيعة الحال ( كما يقال ) وشرعت في تنفيذه أو كادت ، بأن همت بالبطش به في ثورة غضبها ، وهو انتقام معهود من مثلها وممن دونها في كل زمان ومكان ، وأكثر بما ترويه لنا منه قضايا المحاكم وصحف الاخبار ، وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله وهو قوله تعالى
وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
ولكنه رأى من برهان ربه في سريرة نفسه ، ما هو مصداق قوله تعالى
( وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ )
وهو إما النبوة التي تلي الحكم
هامش
( 1 ) السواد بالفتح شخص الانسان وبالكسر مصدر ساوده إذا ساره فقرب سواده من سواده أي شخصه من شخصه . والكلمة لابنة الخص اعتذرت بها عن نفسها بعد ان فتنت فقيل لها : لم . . . وأنت سيدة قومك ؟ فقالتها فارسلتها مثلا يجب أن يعتبر به الذين يتساهلون في السماح لنسائهم بالخلوة بالرجال من الخدم فضلا عن غيرهم