تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
مريم ابنة عمران للملك الذي تمثل لها بشرا سويا
( إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا )
وعلل هذه الاستعاذة بقوله
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ
أي إنه تعالى ولي أمري كله أحسن مقامي عندكم وسخركم لي بما وفقني له من الأمانة والصيانة فهو يعيذني ويعصمني من عصيانه وخيانتكم ، ويحتمل أنه أراد بربه مالكه العزيز في الصورة وان كان حرا مظلوما في الحقيقة ، كما يقال رب الدار ، وكان من عرفهم اطلاقه على الملوك والعظماء كما يأتي في قوله عليه السّلام لساقي الملك في السجن
( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ )
ولكن اللّه عاقبه انه لم يذكر حينئذ ربه ، فكان نسيانه له سببا لطول مكثه في السجن كما يأتي ، ثم إنه قال لرسول الملك . إذ جاءه يطلبه لأجله
( ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ )
وعلى هذا القول وقد جرى عليه الجمهور يكون الضمير في « انه » ما يسمونه ضمير الشأن والقصة أي إن الشأن الذي أنا فيه هو ان سيدي المالك لرقبتي قد أحسن معاملتي في إقامتي عندكم وأوصاك باكرام مثواي فلن أجزيه على إحسانه بشر الإساءة وهو خيانته في أهله ، وهذا التفسير تعليل لرد مراودتها بعد الاستعاذة باللّه منها ، لا تعليل للاستعاذة نفسها كالأول ، والفرق بينهما دقيق لما بينهما من العموم في الأول والخصوص في الثاني . ثم علل امتناعه بما هو خاص بنزاهة نفسه فقال
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
لأنفسهم وللناس كالخيانة لهم والتعدي على أعراضهم وشرفهم ، لا يفلحون في الدنيا ببلوغ مقام الإمامة الصالحة والرياسة العادلة ، ولا في الآخرة بجوار اللّه ونعيمه ورضوانه . . وفي جملة الجواب من الاعتصام والاعتزاز بالايمان باللّه والأمانة للسيد صاحب الدار والتعريض بخيانة امرأته له المتضمن لاحتقارها ما أضرم في صدرها نار الغيظ والانتقام ، مضاعفة لنار الغرام ، وهو ما بينه تعالى بقوله مؤكدا بالقسم لأنه مما ينكره الأخيار من شرور الفجار : 24
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
أي وتاللّه لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه أمرها ، وهي في نظرها سيدته وهو عبدها ، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه ، ومن شأن المرأة أن تكون مطلوبة لا طالبة ،