تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
المراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد ، أو ترود غير ما يرود ، وذكر شواهد الآيات في هذه القصة ومنها قول إخوة يوسف له
( سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ )
أي نحتال عليه ونخدعه عن إرادته ليرسل أخاه معناه وقال في أساس البلاغة : وراوده عن نفسه خادعه عنها وراوغه ، وقال في الكشاف المراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن المعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهي عبارة عن التحيل لمواقعته إياها ا ه ولو رأت منه أدنى ميل إليها وهي تخلو به في مخادع بيتها لما احتاجت إلى مخادعته بالمراودة ، ولما خابت في التعريض له بالمغازلة والمهازلة ، تنزلت إلى المكاشفة والمصارحة ، إذ كان كل ما سبقه منها وحدها لم يشاركها فيه ،
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ
أي أحكمت اغلاق باب المخدع الذي كانا فيه وباب البهو الذي يكون أمام الحجرات والغرف في بيوت الكبراء وباب الدار الخارجي ، وقد يكون في أمثال هذه القصور أبواب أخرى متداخلة
وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ
أي هلم أقبل وبادر ، وزيادة « لك » بيان للمخاطب كما يقولون هلم لك وسقيا لك . واقتصر على هذا في التنزيل ، وهو منتهى النزاهة في التعبير ، واللّه أعلم بما زادته من الاغراء والتهييج الذي تقتضيه الحال ، ونقل رواة الإسرائيليات عنها وكذا عنه من الوقاحة ما يعلم بالضرورة أنه كذب فان مثله لا يعلم الا من اللّه تعالى أو بالرواية الصحيحة عنها أو عنه ولا يستطيع أن يدعي هذا أحد كما يأتي قريبا وهيت اسم فعل قريء بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبضمها كحيث ، وروي أنها لغة عرب حوران ، وكان سبب اختيارها انها أخصر ما يؤدي المراد بأكمل النزاهة اللائقة بالذكر الحكيم ، وهو ما لم يعقله أولئك الرواة لما يخالفه ويناقضه
قالَ مَعاذَ اللَّهِ
أي أعوذ باللّه معاذا وأتحصن به فهو يعيذني أن أكون من الجاهلين الفاسقين ، كما قال بعد ان استعانت عليه بكيد صواحبها من النسوة
( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ )
وجملة قال معاذ اللّه الخ بيان مستأنف لجواب يوسف مبني على سؤال تقديره : وما ذا قال بعد تسفل المرأة وهي سيدته إلى هذه الدركة من التذلل له ؟ وهو كما قالت
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 276 | الشيخ محمد رشيد رضا