تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
من النوازل والمشكلات مقرونا بالحق والصواب ، وعلما لدنيا وفكريا بحقائق ما يعنيه من الأمور ، وهذه السن في عرف الأطباء تتم في خمس وعشرين سنة ، ولأهل اللغة ورواة التفسير فيها أقوال فعن عكرمة أنها 25 سنة وعن ابن عباس انها ثلاث وثلاثون سنة ولعله أخذه من قوله تعالى في كمال البنية الانسانية
( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً )
فجعلها درجتين بلوغ الأشد وبلوغ الأربعين وهي سن الاستواء كما قال في موسى ( 28 : 4
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
) فالأول مبدأ استكمال النمو العضلى والعصبي والثاني مستواه ، وبه يتم الاستعداد للنبوة ووحي الرسالة وقد ثبت عن علماء النفس والاجتماع ان الانسان يظهر استعداده العقلي والعلمي بالتدريج حتى إذا بلغ خمسا وثلاثين سنة لا يظهر فيه شيء جديد من العلم الكسبي غير ما ظهر من بدء سن التمييز إلى هذه السن ، وإنما يكمل ما كان ظهر منه إذا هو ظل مزاولا له ومشتغلا بتكميله ، وقد بينا ذلك في تفسير قوله تعالى ( 10 : 16
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
) وفصلناه في كتاب الوحي المحمدي وقد ظهر حكم يوسف وعلمه بعد بلوغ أشده في مصر كما يأتي تفصيله في مواضعه
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
أي وكذلك شأننا وسنتنا في جزاء المتحلين بصفة الاحسان ، الثابتين عليه بالاعمال ، الذين لم يدنسوا فطرتهم ولم يدسوا أنفسهم بالإساءة في أعمالهم ، نؤتيهم نصيبا من الحكم بالحق والعدل ، والعلم الذي يزينه ويظهره القول الفصل ، فيكون لكل محسن حظه من الحكم الصحيح والعلم النافع بقدر إحسانه ، وبما يكون له من حسن التأثير في صفاء عقله ، وجودة فهمه وفقهه ، غير ما يستفيده بالكسب من غيره ، لا يؤتى مثله المسيئون باتباع أهوائهم وطاعة شهواتهم ، وقال ابن جرير الطبري : وهذا وان كان مخرج ظاهره على كل محسن فالمراد به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقول له عز وجل كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من اخوته ما لقي فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة ومكن لك في الأرض الخ وأقول لا شك أن هذه السنة في جزاء المحسنين عامة ولكل محسن منها بقدر إحسانه ، وإذن يكون حظ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم من حظ يوسف وغيره من الأنبياء عليهم السّلام