درر الكلام البليغ بتصويرها حصر الحب وتوجه الاقبال والعطف بصورة الضروريات التي لا اختيار للرأي ولا للإرادة فيها ، لا من ظاهر الحس ، ولا من وجدان النفس ، بعد وقوع هذه الجناية التي تقتضي إعراض الوجه ، وأعراض الكراهة والمقت
وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ
أي من بعد يوسف أو بعد قتله وتغريبه
قَوْماً صالِحِينَ
تائبين إلى اللّه من هذه الجريمة ، مصلحين لأعمالكم بما يكفر إثمها ، وعدم التصدي لمثلها ، فيرضى عنكم أبوكم ويرضى ربكم ، هكذا يزين الشيطان للمؤمن المتدين معصية اللّه تعالى ولا يزال ينزغ له ويسول ، ويعد ويمني ويأوّل ، حتى يرجح داعي الايمان ، أو يجيب داعي الشيطان ، وهذا الذي غلب على اخوة يوسف فكان ، ولكن بعد رأفة مخففة لحكم الانتقام ، وهو مقتضى الحكمة التي أرادها اللّه :
* * *
10
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
أبهمه القرآن لان تعيينه بتسميته لا فائدة منها في عبرة ولا حكمة ، وانما الفائدة في وصفه بأنه منهم ، وهي أنهم لم يجمعوا على جناية قتله ، وقال السدي انه يهوذا ، وفي سفر التكوين انه رأوبين
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
الجب البئر غير المطوية أي غير المبنية من داخلها بالحجارة وهو مذكر والبئر مؤنثة وتسمى المطوية منها طويّا ، وغيابته بالفتح ما يغيب عن رؤية البصر من قعره أو حفرة بجانبه تكون فوق سطح الماء يدخلها من يدلّى فيه لاخراج شيء وقع فيه أو إصلاح خلل عرض له ، وعلم من التعريف انه جب معروف كان هنالك حيث يرعون ، وجواب ألقوه
يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
وهم جماعة المسافرين الذين يسيرون في الأرض يقطعون الأرض من مكان إلى آخر لأجل التجارة فيأخذوه إلى حيث ساروا من الأقطار البعيدة فيتم لكم الشق الثاني مما اقترحتم وهو إبعاده عن أبيه
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
ما هو الصواب المقصود لكم بالذات فهذا هو الصواب ، وجناية قتله غير مقصودة لذاتها ، فعلام اسخاط اللّه باقترافها والغرض يتم بما دونها ؟ وفي سفر التكوين ان رؤبين مكر بهم إذ كان يريد أن يخرجه من الجب ويرجعه إلى أبيه ، وانهم وضعوه في البئر وكانت فارغة لا ماء