تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
بيان سنته تعالى في عداوة كبراء الدنيا من المتكبرين لهم ، وأما زعماء الأمم في القرون الأخيرة فقد هدتهم إليها عبر التاريخ والتجارب إلى أن دون علماء فلسفة التاريخ علم الاجتماع وفصلوا فيه سننه فعملوا به ، وكان إمامهم حكيمنا العربي ابن خلدون ( ر . ح )

( تنازع رجال المال ودعاة الاصلاح ) ( ش 6 )

في قصة شعيب مع قومه مسألة من أهم مسائل الاجتماع في العالم المدني وهي التنازع بين رجال المال ورجال الاصلاح في حرية الكسب المطلقة وتقييد الكسب بالحلال ومراعاة الفضيلة فيه ، فقوم شعيب كانوا يستبيحون تنمية الثروة بجميع الطرق الممكنة حتى التطفيف في المكيال والميزان ، فإذا كالوا أو وزنوا للناس نقصوا وأخسروا ، وإذا اكتالوا عليهم لأنفسهم استوفوا وأكثروا ، وكانوا يبخسون الناس أشياءهم في كل أنواعها ، وكان شعيب عليه السّلام ينهاهم عن ذلك كله ويوصيهم بالقسط فيه واجتناب أكل أموال الناس بالباطل والقناعة بالحلال ، وكانت حجتهم حرية الكسب مقرونة بحرية الاعتقاد كما حكاه اللّه عنهم بقوله
( قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا )
وتقدم الاستشهاد بهذه الآية في الكلام على رذيلة التقليد ورذيلة استحلال أكل أموال الناس بالباطل ، والكلام على فضيلة حرية الاعتقاد ومنع الاكراه في الدين ، ونذكره شاهدا على كون هذا التنازع بين أهل الحق والفضيلة ، وبين أهل الباطل والرذيلة ، من سنن الاجتماع المعروفة ، والأنبياء ينصرون الحق والفضيلة بالوعظ والارشاد المؤيدين بالحجة ووسائل الاقناع ، لا بالقوة ووسائل الاكراه ، ومن كان له منهم شريعة مدنية كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام كانت جامعة للوازعين : وازع النفس بمقتضى الايمان ، ووازع الشرع بمنع الاعتداء على حقوق الناس ، وما زال التنازع المالي أعقد مشاكل الاجتماع ، وزعم بعض علماء الاقتصاد ان الاصلاح المالي أعظم أسس الاسلام ، ولأجله عادى كبراء قريش بعثة محمد عليه الصلاة والسّلام ، وتقدم تفصيل هذا في خلاصة سورة التوبة وفي كتاب الوحي المحمدي