تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤

( نهي أولى الأحلام عن الفساد يحفظ الأمة من الهلاك ) ( ش 8 )

قوله تعالى
( 116 فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ )
جاءت هذه الآية بعد بيان إهلاك الأمم بظلمهم وإفسادهم في الأرض للاعلام بأنه لو كان فيهم جماعات وأحزاب أولوا بقية من الأحلام والفضائل والقوة في الحق ينهونهم عن ذلك لما فشا فيهم ، وأفسدهم وإذن لما هلكوا ، فان الصالحين المصلحين في الأرض هم الذين يحفظ اللّه بهم الأمم من الهلاك ما داموا يطاعون فيها بحسب سنة اللّه ، كما أن الأطباء هم الذين يحفظ اللّه يهم الأمم من فشو الأمراض والأوبئة فيها ما دامت الجماهير تطيعهم فيما يأمرون به من أسباب الوقاية قبل حدوث المرض ، ومن وسائل العلاج والتداوي بعده ، فإذا لم يمتثل الجمهور لأمرهم ونهيهم فعل الفساد فعله فيهم ، وقد قهم الوعاظ والفقهاء من خلفنا الجاهل خلاف ما كان يفهمه السلف الصالح من بركة الصالحين المتقين وحفظ اللّه الأمم بهم ، فظنوا أن المراد بهم الذين يكثرون من الصيام والقيام وقراءة الأوراد والأحزاب ، كما قال الشاعر ، وضرب الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المثل بقوله في الزواجر
لولا أناس لهم ورد يقومونا * وآخرون لهم سرد يصومونا
لدكدكت أرضكم من تحتكم سحرا * فإنكم قوم سوء لا تطيعونا
كلا ، ان من أصحاب الأوراد من يقوم ليله بورد من تشريع مبتدع هو به عاص للّه تعالى لعبادته بغير ما شرعه ، فكان ممن قال فيهم
( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ )
أي بهلاكهم وفي الحديث « رب صائم ليس له من صيامه الا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر » « 1 » كم من مصل هو مصداق الحديث « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا » « 2 » وكذلك كان دراويش مهدي السودان ، وأمثالهم من المسلمين الجاهلين لهداية القرآن ، فنكل بهم الإفرنج بمساعدة الفاسقين من المسلمين واستولوا علي بلادهم . وقد علمنا من خبار هذا المهدي أنه كان على علم وبصيرة
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة بهذا اللفظ واحمد والحاكم بتقديم وتأخير ( 2 ) رواه أحمد في الزهد عن ابن مسعود موقوفا وابن جرير عنه مرفوعا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 244 | الشيخ محمد رشيد رضا