غريزة الناس في العجل والاستعجال ( ش 2 ) قوله تعالى عقب ذلك ( 8 وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ )
الآية يرشدنا إلى سنتين من سنته تعالى في غرائز البشر وفي اجتماعهم كاللتين فيما قبله ، نرجيء إحداهما إلى الفصل الثالث ونبين الأولى بأن من طباعهم العجلة والاستعجال لما يطلبون من خير للتمتع به وما ينذرون من شر ينكرونه للاحتجاج على بطلانه كما بيناه في تفسير ( 10 : 11
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
) فراجعه في ( ص 311 ج 11 تفسير ) .
( غريزة الفرح بالنعمة واليأس عند المصيبة ) ( ش 3 و 4 ) في الآيتين 9 و 10 بيان لغريزتين متقابلتين من الصفات المذمومة بيناهما
في الفصل الأول من الباب الخامس من الوجه البشري وهما فرح البطر بالنعة ، ويأس الكفر عند المصيبة ، ونذكر بهما هنا من وجه النظام الإلهي والسنن العامة ، ومن دقائق التناسب بين الآي ورود هذه السنن متعاقبة متصلة
( غريزة الافراط في توجيه القوى إلى شئ يلزمه ضعف ضده ) ( ش 5 ) قوله تعالى ( 15 مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها )
الآية .
فيه شاهد على سنة العجل في غرائز البشر المبينة في الشاهد الثاني آنفا ، وشاهد على سنة أخرى هي ان الانسان إذا وجه إرادته بكل قوتها إلى ما فيه متاع له من اللذة والمنفعة العاجلة عسر عليه أن يعقل ما ينذر به من الضرر الآجل الذي يعقبه في الدنيا ، وما ينذر به مما لا يؤمن به من عذاب الآخرة يكون فقهه له أعسر ، واقتناعه به أبعد ، إلا أن يهديه اللّه للايمان بالقرآن ، إيمانا يشترك فيه العقل والوجدان
( فقد هداية السمع والبصر ) ( ش 6 ) قوله تعالى ( 20 ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ )
في معنى ما تقدم من سنته تعالى في توجيه الانسان كل إرادته إلى شيء يضعف فيه غريزة الادراك لما يخالفه ، ونزيد عليه انه يضعف هداية السمع والبصر حتى يفقد القدرة على الاهتداء بهما والانتفاع بدلائلهما ، فهي من هذه الناحية سنة أخرى ،