تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وقال
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ )
وقال
( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ )
وقد وصل علم البشر في عصرنا إلى كثير من هذه السنن وما قامت به مما لم يكن يعلمه المتقدمون من علماء المواليد وغيرها ، ولا يزالون يتوقعون أن يظهر لهم غيرها ، مما يدل على أن هذه المخلوقات لا يحيط بها إلا علم خالقها عز وجل ، كما بسطناه في تفسير هذه الآية ( 7 )

( الفصل الثاني في سنن الطبائع والغرائز البشرية ) ( وفيه بضعة شواهد )

( سنته تعالى في اختبار البشر لأجل احسان كل عمل ) ( الشاهد الأول )

بين اللّه تعالى لنا بعد ما تقدم آنفا من بدء الخلق حكمته العظمى فيه للبشر بقوله
( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )
فان احسانهم لأعمالهم التي أعدهم لها هي التي تظهر ما في هذا الخلق علوية وسفليه من الحكم والاسرار التي لاحد لها ولا نهاية ، بين هذا بأسلوب الالتفات عن الخبر إلى الخطاب العام ، ويا له من أسلوب لا يعرف له ضريب في كلام بلغاء البشر ، ثم التفت عنه إلى خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله
( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
وفي هذا الخبر المؤكد بصيغة القسم بيان لسنتين من سنن اللّه تعالى في البشر ، إحداهما في حالة من أحوال اجتماعهم وموضعها الفصل الثالث ، والأخرى في نوع من أنواع غرائزهم وطباعهم وهي أنهم إذا أخبروا بشيء لم تصل إلى إدراكه عقولهم أنكروه ، على أنهم مستعدون بالفطرة للعلم بكل شيء كما قال تعالى
( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )
فإذا قال لهم الرسول المخبر إن هذا الخبر عن اللّه القادر على كل شيء وجاءهم بالآية الدالة على صدقه من علمية أو عقلية يعجزون عن مثلها قال أكثرهم
( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ )
أي بين ظاهر ، يعنون أنهم ما عجزوا عن مثلها إلا لأن لها سببا خفيا عليهم قد يعرفه غيرهم وقد يعرفونه بعد ، فهذه سنة من سنته تعالى فيهم في حال من أحوالهم الناقصة المتعارضة كما بينته في محله من قبل ، والمراد هنا التذكير لا تفصيله وتحقيقه