بين لهم ما هو منجاة للأمة والشعب من الهلاك في الدنيا قبل الآخرة وهو وجود طائفة عظيمة التأثير فيها تنهاها عن الفساد في الأرض بالظلم والفساد والفسوق بارتكاب الفواحش والمنكرات ، وهو قوله
( 116 فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ )
وبين لنا عقب هذا في الآية ان القرون التي أهلكها لم يكن فيها الا قليل من أمثال هؤلاء هم الذين أنجاهم مع رسلهم ، وان الجمهور الذين أهلكهم كانوا متبعين للاتراف بالفسوق والاسراف ، وهو غاية الفساد والافساد ، فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الدين والاخلاق والآداب
وصرح في الآية التي بعدها ( 17 ) بأن سنته في الأمم انه لا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون في الأرض ، وعبر عن الأمم بالقرى وهي عواصم ملكها ، لأنها مأوى الزعماء والرؤساء الحاكمين الذين تفسد الأمم بفسادهم ، وتصلح بصلاحهم ، وهي حقائق فسرها علم الاجتماع الحديث ، واننا لنرى مصداقها بأعيننا ، والذين يتعبدون بألفاظ القرآن دون معانيه لا يعتبرون بها لأنهم لا يفقهون ما فيه وسنعود إلى ذكرها في بيان سنن الاجتماع من الباب السادس ، ولا بد من التكرار في هذه الأبواب
فهذه التسع من أمهات الفضائل تكفي من تدبرها علما وعرفانا وهداية وإرشادا لجميع الاعمال الصالحات التي هي الركن الثالث من أركان الدين ، وفي السورة من الفضائل التي تستمد فيها من سيرة الرسل عليهم السّلام ويقتدى بهم فيها ، وجميع المكلفين مطالبون معهم بها فنشير إليها تتمة للعدد
( العاشرة : البينة من اللّه تعالى في الدين )
ان ما تقدم في صفات الرسل عليهم السّلام ( ص 208 ) من أنهم كانوا على بينة من ربهم بما خصهم به من الوحي والآيات يشاركهم فيها المؤمنون بهم بالاتباع لهم فيها كما قال اللّه تعالى لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وهو خاتمهم ( 12 : 108
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
) فبصيرته صلّى اللّه عليه وسلّم مقتبسة من نور القرآن ، تلقاه هو من وحي اللّه ، وتلقيناه نحن من تبليغه عن ربه وربنا عز وجل مؤيدا بالحجة والبرهان ، وانما المحروم من نوره ، من يتلقى عقيدته وعبادته من غيره