تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الشامل لهم ولأقوامهم والخاص بهم كقوله تعالى لنوح
( 46 إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ )
واستعاذة نوح به تعالى من مخالفة الموعظة وقوله
( وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ )
وحكايتهم عن أنفسهم ما يعملون وما يتركون - كل هذا وأمثاله يدل على جواز وقوع المعصية منهم لا استحالته ، وفي بعضه ما يدل على وقوع الذنب بالفعل ، ومنه سؤال نوح ربه نجاة ولده الكافر ، وكونه من سؤال ما ليس له به علم ، وهو منهي عنه « قلت » ان المتكلمين استدلوا على ما سموه عصمة الأنبياء بالعقل لا بالنقل ، وتأولوا الآيات والأحاديث الواردة بوقوع الذنوب منهم بله الدالة على إمكانها ، وليس المراد بدلالة العقل على عصمتهم أنها كعصمة الملائكة منافية لطباعهم ، فان مما فضلوا به على الملائكة انهم بشر كسائر البشر جبلوا على الشهوات الجسدية ، وداعية كل من المعصية والطاعة ، كما علم من قصة أبيهم آدم ، ولكنهم بقوة الايمان ومعرفة اللّه عز وجل والخوف منه والرجاء فيه والحب له يرجحون الطاعة على المعصية بملكة راسخة فيهم ، يعصمهم اللّه تعالى بها من الخطأ في التبليغ ومن الكتمان لشيء مما أمروا به منه ، ومن مخالفته ، ومن الرذائل والمعاصي المنافية للرسالة ، المبطلة للحجة ، دون الخطأ في الاجتهاد والرأي ، الذي لا يخالف نص الوحي ، فإذا وقع منهم بهذا الاجتهاد ما كان الخير والكمال لهم في علم اللّه خلافه بينه اللّه لهم تعليما ، وعلمهم ما هو الأليق بهم تربية وتكميلا ، ومنه اجتهاد نوح الذي رجح له بالحنان الأبوي جواز دخول ابنه الكافر فيمن وعده اللّه بنجاتهم كما بيناه في موضعه ، ولم يعلم أن سؤاله ربه ما ليس له به علم قطعي ممنوع إلا بعد أن سأله نجاة ولده فأجابه بهذه الموعظة ، وقد فصلنا هذه المسألة في تفسير أخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الغداء من أسرى بدر من سورة الأنفال [ 8 : 67 ] وتفسير عتابه على الاذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك والعفو عنه من سورة التوبة [ 9 : 43 ]