تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
بينت لنا هذه السورة ان كل رسول كان يحتج ويستدل على قومه بأنه على بينة من ربه ، وليس فيها ولا في غيرها أن كلا منهم تحدى قومه بآية كونية كما تحدى موسى فرعون وملأه وكما تحدى محمد قومه والانس والجن معهم ، ومن استطاعوا ليظاهروهم على معارضة القرآن بمثله في مزايا إعجازه العامة الظاهرة في كل سورة منه ، ومزايا إعجازه المكررة في عشر سور مما ادعوا افتراءه منه ، ثم إنه بعد التحدي بعشر مثله مفتريات في الآية ( 13 ) من هذه السورة ، وبعد تقرير عجزهم عن المعارضة في الآية ( 14 ) قال في تقرير الحجة العقلية والنقلية التاريخية
( 17 أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً )
ثم قال في حجة نوح
( 28 قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ )
الآية ، وحكى عن قوم هود أنهم
( 53 قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ )
ولكنه كذبهم بعد ذلك بقوله عز وجل
( 59 وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ )
الآية ثم قال في قصة صالح
( 63 قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً )
الآية ، وذكر بعدها آيته الكونية التي أنذرهم العذاب بها فقال
( 64 وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً )
الخ ثم قال في قصة شعيب
( 88 قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً )
الآية ثم قال
( 96 وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ 97 إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ )
الآية ومن المعلوم القطعي أن هذه الآيات وغيرها ليست من أعمال أولئك الرسل وكسبهم ولا في حدود استطاعتهم ، فآية خاتمهم الكبرى هي كلام اللّه عز وجل كان صلّى اللّه عليه وسلّم عاجزا عن الاتيان بسورة مثله بعد النبوة فعجزه قبلها أظهر ، وناقة صالح لم تكن من خلقه ولا كسبه ، ولما رأى موسى آيته الكبرى وهي العصا إذ ألقاها فإذا هي حية تسعى ، ولى مدبرا خائفا منها ، كما ترى في سورتي النمل والقصص وأما آيات عيسى التي أسند اليه فعلها فقد صرح القرآن بأنها كانت باذن اللّه تعالى وإرادته ، وفي رسائل الأناجيل المتداولة أنه كان يدعو اللّه تعالى ويتضرع اليه بطلبها ليؤمنوا به ويعلموا أنه يستجيب له ، وقد قال اليهود انها سحر مبين ،