وأهل هذا العصر يوردون عليها شبهات من غرائب صوفية الهنود وغيرهم من الروحانيين ، كما بيناه في كتاب الوحي المحمدي ، وبينا أن آيات موسى كانت أعظم منها مظهرا ، وأدل على قدرة اللّه تعالى وتأييده له ، لايمان أعلم علماء السحر بها ، ولم تكن فتنة للناس بموسى كما كانت تلك فتنة للناس بعيسى إذ اتخذوه بها إلها ، فالذين فتنوا وضلوا بخوارق العادات الصورية من الأولين والآخرين ، أضعاف أضعاف الذين اهتدوا بالحقيقي منها ، فان الملايين من مدعي اتباع عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام يتبعون الدجالين المدعين للتصرف في الكون بأنفسهم أو باستخدامهم للجن ، وسدنة قبور الأولياء والقديسين الذين يدعون التصرف لمن تنسب إليهم ، وكل هؤلاء يجهلون حقيقة الايمان الذي بعث اللّه به جميع رسله ووظيفة رسالاتهم
( الخامسة حجة الرسل على أقوامهم باخلاصهم للّه وعدم طلب أجر على عملهم )
هذه المسألة مكررة في القرآن ومن الشواهد عليها هنا حكاية عن نوح قوله تعالى
[ 79 وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ]
وتقدم عنه معناه في سورة يونس وسيأتي مثله في سورة الشعراء بلفظ الاجر [ ومنها ] عن هود
[ 51 يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ]
وراجع مثل هذا عن الرسل في سورة الشعراء [ 26 : 109 و 127 و 145 و 164 و 180 ]
وقد تكرر هذا عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في عدة سور : الانعام ( 6 : 90 ] ويوسف ( 12 : 104 ) والشورى ( 42 : 23 ) ونص هذه الأخيرة بعد تبشير الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات
( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ، وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )
والاستثناء في هذه الآية منقطع ، والمعنى لا أسألكم عليه اجرا البتة ، سنة اللّه في النبيين المرسلين ، ولكن أسألكم المودة في أولي القربى لكم وصلة أرحامكم ، وكانت هذه الوصية مما يحمدونه من هدي الاسلام لتعصبهم لانسابهم ، ويفسرها قوله تعالى ( 34 : 47
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
)
ولكن الشيعة جعلوا الاستثناء متصلا وفسروا المودة في القربى بمودة قرابته